فى أدبيات التاريخ العسكرى العالمى تبرز فكرة يمكن تسميتها «عُقد التاريخ العسكرى»، وتعنى هذه الفكرة بمناقشة حالة تتحول فيها السياسات التى أثمرت نجاحًا إلى عنصر تفاؤل، بينما تتحول السياسات التى جلبت هزائم إلى «عُقد تاريخية» أو نذر شؤم.
ومن بين أشهر العُقد التاريخية على المستوى الدولى إخفاق الجيش الأمريكى فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى فى فيتنام، وتورط الجيش السوفييتى فى أفغانستان خلال الثمانينيات الفائتة.
ترتبط هذه العُقد التاريخية بمبدأ يمثل عنصرًا من عناصر العقيدة العسكرية لأى جيش محترف، وهو العنصر الخاص بعملية الانتشار الخارجى، أو الحرب خارج الديار.
وتشهد الحياة السياسية الأمريكية على مدى أكثر من نصف القرن حالة جدل متجددة، وهو جدل ينعكس فى دراسات وأبحاث تصدر عن مستودعات التفكير وأعضاء الإدارة، ويركز على طبيعة دور القوات العسكرية الأمريكية، وحدود انتشارها، ونطاق عملياتها.
وينقسم المتجادلون فى هذا الصدد إلى فريقين رئيسين؛ أولهما يعتقد أنه من الضرورى أن تقلل الولايات المتحدة من وجودها العسكرى فى العالم، وأن تجتهد فى سحب عديد القوات المنتشرة فى عشرات النقاط الساخنة حول العالم، ويستند هؤلاء فى تأييد حجتهم إلى إخفاق القوات الأمريكية فى فيتنام، وعدم تحقيق الأهداف المرجوة فى العراق وأفغانستان.
بينما يرى الفريق الثانى أن إعادة انتشار القوات الأمريكية بشكل يحد من وجودها فى الخارج يخصم من القوة الشاملة للولايات المتحدة، ويعرض أمنها القومى للخطر.
وفى صيف العام 2018، صدر كتاب مهم للمؤرخ الأمريكى روبرت كيجان، بعنوان «الغابة تعود إلى النمو»، وهو الكتاب الذى يشرح فيه كيجان أهمية بقاء الجيش الأمريكى منتشرًا فى المناطق التى ترى واشنطن أنها مهمة لتحقيق أمنها القومى وصيانة مصالحها.
ويلخص كيجان فكرته فى أن «نشر الجنود خارج الديار هو أمر سيء، لكنه يحدث تجنبًا للأكثر سوءًا، وبقاؤهم داخل الحدود آمنين هو أمر جيد، لكن يجب آلا ينطوى ذلك على خسارة أمننا القومى ومصالحنا الوطنية».
ومما يقوى طرح كيجان أن اعتقاد البعض أن تدخلات أمريكا العسكرية فى الخارج لم تسفر سوى عن خسائر، تحت تأثير فكرة «فيتنام»، يغفل حقيقة أن الولايات المتحدة «حققت تدخلات عسكرية خارجية ناجحة 18 مرة خلال القرن العشرين»، بصرف النظر عن مدى قانونية وأخلاقية هذه التدخلات بطبيعة الحال.
وفى العام 1993، صدرت وثيقة استراتيجية فائقة الأهمية فى موسكو، بعنوان «وثيقة الأمن القومى»، وهى الوثيقة التى أعادت تشخيص المنهجية العسكرية للبلاد، مشددة على «توفير القدرة الكاملة للقوات التقليدية على الانتشار الاستراتيجى فى مناطق الأزمات، والقيام بعمليات ناجعة وسريعة».
وانطلاقًا من تلك المنهجية، سيُمكن فهم السلوك الروسى إزاء أوكرانيا، وسيُمكن أيضًأ تقييمه أخلاقيًا وسياسيًا، وصولًا إلى احتمال إدانته، مثلما هو الحال مع السلوك الأمريكى، لكن الأكيد أن الدولة الروسية ترى فى هذه المنهجية صيانة لأمنها الوطنى كما تشخصه، وتعزيزًا لمصالحها كما تراها.
وفى منطقتنا، نجد دولًا مثل إيران، وتركيا، وإسرائيل، وغيرها، تنشر قواتها خارج أراضيها، وهى تحقق نتائج متفاوتة، وفى بعض الأحيان يكون انتشارها الخارجى ذا مردود إيجابى على مصالحها، لكن هذا المردود يعتمد أساسًا على دراسة دقيقة لطبيعة الانتشار، وضرورته، ونطاقه، وقدرته على تحقيق الأهداف العملية المرجوة بأقل الخسائر، وطبعًا عدم إخلاله بالتركيز الاستراتيجى اللازم للدفاع عن التراب الوطنى.
وفى العام 1986، صدرت دراسة مهمة لكل من ريتشارد نيوستادت وإرنست ماى، بعنوان: التفكير فى الزمن.. استخدامات التاريخ لصانعى القرار«، لتتناول إشكالية توظيف الخبرة التاريخية فى اتخاذ القرارات السياسية والاستراتيجية. وينطلق المؤلفان من أن القادة يلجؤون إلى الماضى لفهم الأزمات الراهنة، والبحث عن سوابق تساعدهم على تفسير الأحداث وتقدير النتائج المحتملة لقراراتهم. غير أن هذا اللجوء قد يتحول إلى مصدر للأخطاء عندما يفترض أن الحاضر نسخة من الماضى، أو عندما تُختزل التجارب التاريخية المُعقدة فى دروس عامة ومُبسطة.
ويدعو المؤلفان إلى التعامل مع التاريخ بوصفه أداة للتحليل والتحقق، لا مخزونًا من الأمثلة الجاهزة للاستدعاء. ويتطلب ذلك فحص أوجه التشابه والاختلاف بين الحالات، وتحديد الظروف التى أنتجت النتائج السابقة، واختبار مدى انطباقها على الموقف الجديد. فالتشابه الظاهرى بين أزمتين لا يعنى بالضرورة تطابق دوافعهما أو موازين القوى المحيطة بهما أو الخيارات المتاحة أمام صُناع القرار.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة عند دراسة »عُقد التاريخ العسكري»، أى تأثير الهزائم والصدمات الحربية السابقة فى القرارات العسكرية اللاحقة. فقد تدفع تجربة مؤلمة دولة ما إلى المبالغة فى تقدير مخاطر الحرب، أو تجنب المبادرة، أو تقييد قدرتها على المناورة. وقد تؤدى، على العكس، إلى نزعة تعويضية تدفع نحو التصعيد واستعادة الهيبة. ويتوقف ذلك على الطريقة التى تفسر بها القيادة والمجتمع التجربة السابقة.
لا تكمن المشكلة، إذن، فى دراسة الحروب السابقة واستخلاص العبر من مآلاتها، بل فى تحول تفسير معين لها إلى عقيدة جامدة تصعب مراجعتها. فقد يتم توارث افتراضات نشأت فى ظروف تاريخية مختلفة، ويتواصل العمل بها رغم تغير التكنولوجيا والتهديدات وموازين القوى.
والدرس المركزى يكمن فى أن الذاكرة التاريخية تصبح مصدرًا للقوة عندما تساعد على التعلم النقدى، لكنها تتحول إلى قيد استراتيجى عندما تحل القياسات الجاهزة محل تحليل الواقع. فالتاريخ لا يقدم وصفات ثابتة للحكم والحرب، بل يتيح فهمًا أعمق للبدائل والمخاطر، شريطة إخضاع دروسه للفحص المستمر.
نقلا عن المصري اليوم
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *