الرئيسية/منوعات/كنز أثري في المنيا.. مقبرة رومانية تكشف أسرار البهنسا
منوعات

كنز أثري في المنيا.. مقبرة رومانية تكشف أسرار البهنسا

في قلب صعيد مصر، حيث تختبئ طبقات التاريخ تحت الرمال، جاءت لحظة اكتشاف أعادت فتح صفحات منسية من الماضي.

: مومياء أثرية محفوظة عبر الزمن
📸: مومياء أثرية محفوظة عبر الزمن
اليوم ميديا

في قلب صعيد مصر، حيث تختبئ طبقات التاريخ تحت الرمال، جاءت لحظة اكتشاف أعادت فتح صفحات منسية من الماضي. في منطقة البهنسا، إحدى أعرق البقع الأثرية في مصر، كشفت بعثة أثرية إسبانية عن مقبرة تعود إلى العصر الروماني، حاملة معها تفاصيل مدهشة عن حياة ومعتقدات عاشها الناس قبل آلاف السنين، بحسب رويترز.

لم يكن الاكتشاف مجرد موقع أثري جديد، بل نافذة واسعة على عالم كامل من الطقوس والرموز. داخل المقبرة، ظهرت مومياوات ملفوفة بعناية، بعضها مزيّن بزخارف هندسية دقيقة، تعكس مهارة فنية واهتمامًا خاصًا بالموتى. لم تكن تلك اللفائف مجرد غطاء، بل رسالة ثقافية تعبّر عن معتقدات راسخة حول الحياة بعد الموت.

ومع تقدم أعمال التنقيب، بدأت المفاجآت تتوالى. عثرت البعثة على توابيت خشبية ملونة، لا تزال تحتفظ بألوانها رغم مرور الزمن، وكأنها تقاوم النسيان. إلى جانب ذلك، ظهرت ألسنة ذهبية، وأخرى من النحاس، في دلالة على طقوس جنائزية كانت تهدف – بحسب المعتقدات القديمة – إلى تمكين المتوفى من التحدث في العالم الآخر.

لكن الاكتشاف الأكثر إثارة جاء من داخل إحدى المومياوات.

هناك، بين طبقات القماش والتحنيط، وُجدت بردية نادرة، تحمل نصًا من الإلياذة، الملحمة اليونانية الشهيرة التي كتبها هوميروس قبل أكثر من ألفي عام. النص المكتشف يعود إلى الجزء الذي يُعرف بـ”فهرس السفن”، وهو وصف تفصيلي للجيوش المشاركة في حرب طروادة.

وجود هذا النص في مقبرة مصرية يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات. كيف وصلت هذه الملحمة اليونانية إلى قلب صعيد مصر؟ وما الذي دفع إلى وضعها داخل مومياء؟

الإجابة تكمن في طبيعة العصرين اليوناني والروماني، حين كانت مصر مركزًا ثقافيًا مفتوحًا، تتقاطع فيه الحضارات. البهنسا نفسها، التي عُرفت تاريخيًا باسم “أوكسيرنخوس”، كانت واحدة من أهم المدن في تلك الحقبة، ومركزًا علميًا وثقافيًا مزدهرًا.

هذا التداخل الحضاري يفسر وجود نص أدبي يوناني داخل سياق جنائزي مصري. فالمعتقدات لم تكن منعزلة، بل كانت تتأثر وتتداخل، لتخلق مزيجًا فريدًا من الطقوس والأفكار.

ما وراء الاكتشاف

الاكتشاف لا يقتصر على الجانب الأثري فقط، بل يمتد إلى فهم أعمق للمجتمع في تلك الفترة. فالمقبرة تعكس مستوى من الثراء والتنظيم، يشير إلى طبقة اجتماعية مميزة، كانت قادرة على تحمل تكاليف التحنيط والزخرفة واستخدام الذهب.

كما أن وجود بردية أدبية يضيف بعدًا ثقافيًا، يوحي بأن المعرفة لم تكن حكرًا على النخبة الحاكمة فقط، بل كانت جزءًا من حياة المجتمع.

البهنسا.. تاريخ لا ينتهي

ليست هذه المرة الأولى التي تكشف فيها البهنسا عن أسرارها. فالمنطقة معروفة بكونها كنزًا أثريًا، يعود تاريخها إلى الحضارة المصرية القديمة، قبل أن تزدهر في العصرين اليوناني والروماني، وتصبح لاحقًا مسرحًا لأحداث تاريخية مهمة خلال الفتح الإسلامي.

كل اكتشاف جديد في هذه المنطقة لا يضيف فقط إلى سجل الآثار، بل يعيد تشكيل فهمنا للتاريخ.

في النهاية، تبقى هذه المقبرة أكثر من مجرد موقع أثري. إنها قصة إنسانية، عن حياة وموت، عن إيمان ورمزية، وعن تلاقٍ حضاري لم ينقطع أثره حتى اليوم.

وفي كل قطعة تُستخرج من الرمال، هناك حكاية تنتظر أن تُروى. وربما، في مكان ما تحت الأرض، لا تزال هناك أسرار أخرى تنتظر من يكتشفها.

"
“في قلب صعيد مصر، حيث تختبئ طبقات التاريخ تحت الرمال، جاءت لحظة اكتشاف أعادت فتح صفحات منسية من الماضي. في منطقة البهنسا، إحدى أعرق البقع الأثرية في مصر، كشفت بعثة أثرية إسبانية عن مقبرة تعود إلى العصر الروماني، حاملة معها تفاصيل مدهشة عن حياة ومعتقدات عاشها الناس قبل آلاف السنين، بحسب رويترز. لم يكن الاكتشاف”
— اليوم ميديا / منوعات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في منوعات ←
رسائل صادمة تعيد فتح قضية اعتداء في جامعة كورنيل

رسائل صادمة تعيد فتح قضية اعتداء في جامعة كورنيل

أعادت رسائل متبادلة بين طلاب في جامعة كورنيل الأميركية قضية اعتداء جنسي مزعوم على طالبة إلى الواجهة، بعدما كشفت دعوى مدنية عن محادثات عبر تطبيق «سناب شات» أثارت تساؤلات بشأن سلوك بعض أعضاء أخوية طلابية وتعاملهم مع الواقعة. وسلطت صحيفة «واشنطن بوست»، في مقال للكاتبة مونيكا هيسه نشرته في 30 سبتمبر/أيلول، الضوء على رسالة وردت

لندن - أنس بن عيسى
السبت، ٣ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
«النجم الميت» يكشف سرا على بعد 13 ألف سنة ضوئية

«النجم الميت» يكشف سرا على بعد 13 ألف سنة ضوئية

على بعد نحو 13 ألف سنة ضوئية من الأرض، كشف تلسكوب فضائي عن واحدة من أكثر الظواهر غرابة في الأنظمة النجمية الثنائية: نجم نيوتروني صغير شديد الكثافة يلتقط مواد ساخنة تقذفها نجمة عملاقة، فيتحول هذا التفاعل إلى ومضات قوية من الأشعة السينية يمكن للتلسكوبات رصدها. القصة تدور حول النظام النجمي BP Crucis، الذي يضم النجم

لندن – خالد ياسر أحمد
الأحد، ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
عيون حمراء وثلاث شفاه.. اكتشاف عناكب بحرية غريبة في كندا

عيون حمراء وثلاث شفاه.. اكتشاف عناكب بحرية غريبة في كندا

لم يكن الباحثون يتوقعون أن تقودهم دراسة للعناكب البحرية في مياه كندا إلى كائن بعيون حمراء وأرجل تغطيها أشواك طويلة تشبه الشعر، وفم مثلثي بثلاث شفاه. أما النوع الثاني فكان أكثر غرابة، إذ عثر الباحثون فوق جسمه على طفيليات مجهرية تعيش بدورها في عالم بحري بالغ الصغر. اكتشف فريق بقيادة جامعة كولومبيا البريطانية نوعين جديدين

لندن – خالد ياسر أحمد
السبت، ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الكلاب تفكك كلامنا بطريقة مفاجئة.. كيف يحدث ذلك؟

الكلاب تفكك كلامنا بطريقة مفاجئة.. كيف يحدث ذلك؟

قد لا تحتاج الكلاب إلى فهم الكلمات بالطريقة التي يفهمها الإنسان حتى تلتقط شيئًا أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد عن الكلام البشري. فقد وجد باحثون أن أدمغة الكلاب تستطيع تتبع أنماط صوتية مخفية داخل الكلام، باستخدام طريقة ترتبط بالأصوات الساكنة وتشبه آلية يستخدمها الدماغ البشري أثناء تعلم الكلمات. الدراسة، التي نُشرت في مجلة Science، قارنت

لندن – خالد ياسر أحمد
الجمعة، ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة