
في الشرق الأوسط، لا تأتي التحولات الكبرى دائمًا على وقع الانفجارات، بل تبدأ أحيانًا بهدوء يكاد لا يُسمع، قبل أن تفرض نفسها واقعًا لا يمكن تجاهله. ففي وقت تنشغل فيه العواصم بمتابعة التوتر مع إيران، واستمرار المواجهات في قطاع غزة، وإعادة تموضع حزب الله في لبنان، والانقسامات التي تضرب سوريا، تتجه الأنظار عادة إلى تلك الجبهات المشتعلة، بينما يتشكل مسار آخر أكثر هدوءًا في الضفة الغربية، مسار لا يُعلن كحرب، بل يُدار كسلسلة قرارات وإجراءات متراكمة.
منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه من حرب واسعة، بدأت ملامح واقع جديد تتشكل تدريجيًا. تكثّف الوجود العسكري داخل المدن والطرق الحيوية، وتزايدت الضغوط المالية والسياسية على السلطة الفلسطينية، وتسارعت الموافقات على مشاريع استيطانية جديدة، في وقت جرى فيه تقنين بؤر أُنشئت سابقًا دون ترخيص رسمي. ومع هذا التوسع، تصاعدت اعتداءات المستوطنين حتى باتت جزءًا شبه يومي من المشهد، لتتحول التفاصيل الصغيرة إلى عناصر تغيير بنيوي عميق.
في هذا السياق، اتخذ المجلس الأمني المصغر برئاسة بنيامين نتنياهو قرارات وُصفت بأنها استثنائية، تهدف إلى نقل السيطرة الميدانية من وضع مؤقت إلى إطار قانوني أكثر ثباتًا. شملت هذه الإجراءات تخفيف القيود المرتبطة ببيع الأراضي للمستوطنين، وتوسيع صلاحيات التخطيط والبناء، وتعزيز إشراف إداري مباشر في مناطق كانت تُدار ضمن ترتيبات سابقة مختلفة. وقد عبّر بتسلئيل سموتريتش بوضوح عن البعد السياسي لهذه السياسات، معتبرًا أنها تمهّد لإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية، في تصريح يعكس رؤية أيديولوجية تتجاوز الاعتبارات الأمنية التقليدية.
التقديرات تشير إلى أن استمرار هذا المسار قد يدفع مؤسسات الحكم الفلسطيني إلى حافة العجز الوظيفي خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، ما يعني احتمال تعطل الخدمات الأساسية لملايين السكان، وتآكل منظومة التنسيق الأمني التي حالت لسنوات دون اندلاع اضطرابات واسعة. وفي حال تحقق ذلك، قد تجد إسرائيل نفسها عمليًا أمام مسؤولية إدارة الحياة اليومية في الضفة، حتى دون إعلان رسمي بتحمّل هذا الدور.
ويأتي عامل الزمن ليزيد المشهد حساسية، مع اقتراب شهر رمضان، حيث تتجه الأنظار إلى القدس، ولا سيما محيط المسجد الأقصى، الذي شكّل تاريخيًا بؤرة توتر ديني وسياسي. في مثل هذه الفترات، يمكن لأي حادث محدود أن يتحول بسرعة إلى موجة تصعيد أوسع، خصوصًا في ظل غياب قنوات وساطة دولية فعالة قادرة على احتواء الأزمات قبل تفاقمها.
ما يجري اليوم لا يبدو منفصلًا عن رؤية قديمة داخل التيار اليميني الإسرائيلي تقوم على فرض “حقائق لا رجعة فيها” عبر تغيير الجغرافيا والقانون تدريجيًا، بحيث يصبح أي حل سياسي تقليدي غير قابل للتطبيق. الحرب في غزة، وفق هذا التصور، وفّرت الغطاء الزمني والسياسي لتسريع تنفيذ هذه الرؤية، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بأزمات متلاحقة.
ورغم تأكيدات متكررة من رئيس الحكومة بأنه لا يسعى إلى حكم الفلسطينيين مباشرة، فإن التوازنات السياسية الداخلية، واعتماده على حلفاء قوميين ودينيين، تحدّ من قدرته على كبح هذا الاتجاه. بعض المراقبين يراهن على تغيّر سياسي داخلي يعيد ضبط المسار، غير أن آخرين يرون أن التحولات الجارية على الأرض تتقدم بوتيرة أسرع من أي تبدل محتمل في الحكومات أو الانتخابات.
استمرار هذا النهج قد يقود إلى تداعيات تتجاوز حدود الضفة نفسها، من احتمال تجدد موجات العنف، إلى استنزاف عسكري طويل الأمد، وصولًا إلى تعمّق العزلة الدبلوماسية وتحمّل أعباء إدارية واقتصادية متزايدة. كما قد يقوّض أي مشاريع سلام مستقبلية، بما في ذلك المبادرات التي طُرحت خلال إدارة دونالد ترامب في الولايات المتحدة، والتي افترضت إعادة بناء دور السلطة الفلسطينية ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.
في المحصلة، لا يبدو أن ما يحدث هو حدث واحد يمكن تأريخه أو قرار مفاجئ يمكن التراجع عنه، بل عملية بطيئة تعيد تشكيل الواقع بندًا بعد بند. قد لا يسمع العالم صوت هذا التحول الآن، لكنه إن اكتمل، قد يغيّر شكل الصراع وحدوده لعقود مقبلة، ويجعل من الضفة الغربية مركز الثقل في معادلة الشرق الأوسط الجديدة.

في أبوظبي، شهدت الأيام القليلة الماضية حركة استثنائية لم تقتصر على الزيارات البروتوكولية المعتادة، بل تحولت العاصمة الإماراتية إلى محطة رئيسية للقادة والزعماء العرب والخليجيين. جاء ذلك في توقيت إقليمي شديد الحساسية، يتزامن مع توتر ملحوظ في العلاقات الإماراتية–السعودية، وهو توتر يرى مراقبون أنه مرتبط بالدور الإقليمي للإمارات، الذي يتماهى في بعض جوانبه مع ما [...]

في لحظات التحولات الكبرى في التاريخ، لا تُقاس الأحداث فقط بما سقط من أنظمة، بل بما يُعاد تشكيله في الظل. هكذا تنظر الولايات المتحدة إلى المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد، باعتباره فرصة نادرة لإعادة رسم ميزان القوى في شرق المتوسط، لا مجرد تغيير سياسي داخل دولة أنهكتها الحرب. تعتقد دوائر القرار في واشنطن [...]

في الحروب، كثيرًا ما تختلط الروايات بالذاكرة، ويصعب التمييز بين ما هو موثّق وما يبقى عالقًا في شهادات من عاشوا الجحيم. لكن بعض القصص تظل قادرة على إثارة الصدمة حتى بعد مرور عقود، لأنها لا تتحدث فقط عن المعارك، بل عن الجانب الأكثر قتامة في الطبيعة البشرية. هكذا تعود إلى الواجهة روايات مرتبطة بحصار سراييفو [...]

في لحظة سياسية مشحونة بالتوتر والاحتمالات، خرجت رسالة من طهران تحمل نبرة مختلفة: الاستعداد لتقديم تنازلات… ولكن بشروط. تصريح قد يبدو دبلوماسياً تقليدياً، إلا أنه يأتي في توقيت حساس يضع المنطقة بين احتمالين متناقضين: عودة الاتفاق النووي أو الانزلاق نحو تصعيد أكبر. ففي مقابلة مع بي بي سي، قال نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت [...]

في خطوة قد تغير ملامح الحوسبة العلمية، أثبتت حواسيب مستوحاة من طريقة عمل الدماغ البشري قدرتها على حل معادلات رياضية معقدة، كانت سابقًا حكرًا على الحواسيب العملاقة التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة. الدراسة المنشورة في Nature Machine Intelligence توضح أن ما يُعرف بـ"الحوسبة العصبية" (Neuromorphic Computing) قادر على التعامل بكفاءة مع المعادلات التفاضلية الجزئية [...]

إذا كنت تستخدم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل شات جي بي تي، جيميني، أو كلود بشكل يومي، فقد لاحظت سلوكًا غريبًا: إجابات واثقة من البداية، لكنها تتغير عندما تسأله "هل أنت متأكد؟"، أحيانًا بشكل جزئي وأحيانًا كلي. وإذا كررت السؤال أكثر من مرة، قد تتغير الإجابة مرة أخرى، وكأن الروبوت يحاول إرضاءك بدل الحفاظ [...]