
تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة.
وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد تدور فقط حول الصواريخ والمسيّرات التي تستهدف الأراضي السعودية، بل حول النفط والممرات البحرية وباب المندب، وهي معادلة تضع الرياض أمام ضغط أمني واقتصادي متزامن.
وفي تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» اليوم السبت، قالت إن السعودية تواجه ضغطًا استثنائيًا بعدما استهدفت جماعات مدعومة من إيران في العراق واليمن منشآت نفطية وبنية عسكرية، بينما حقق الحوثيون مكاسب ميدانية على ساحل البحر الأحمر. وأضافت الصحيفة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يقدم تدخلًا عسكريًا مباشرًا استجابة لطلبات سعودية للمساعدة في مواجهة الحوثيين.
أهمية التطور لا تتعلق بالأمن السعودي وحده. فالحرب باتت تضغط على أحد أهم مسارات تصدير الطاقة في المنطقة.
وتقول «واشنطن بوست» إن خط أنابيب شرق–غرب السعودي، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، أصبح أكثر أهمية بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، لأنه يوفر للمملكة طريقًا بديلًا لتصدير جزء من إنتاجها بعيدًا عن المضيق.
لكن الخط تعرض لهجوم الأسبوع الماضي، وبقي إلى حد كبير خارج الخدمة، وفق الصحيفة. وبذلك أصبحت إحدى أهم أدوات المملكة لتجاوز أزمة هرمز نفسها عرضة للتهديد.
وهنا تتشكل معادلة أكثر تعقيدًا: هرمز تحت ضغط، وخط شرق–غرب متأثر، والحوثيون يوسعون حضورهم قرب باب المندب.
وهذا يعني أن الأزمة لم تعد مرتبطة بممر بحري واحد، بل باتت تضغط على أكثر من مسار يمكن أن تعتمد عليه السعودية لإيصال النفط إلى الأسواق العالمية.
التطور الميداني الأهم يتمثل في تعزيز الحوثيين سيطرتهم على مناطق استراتيجية قرب باب المندب.
وكانت وكالة Associated Press قد أفادت بأن الحوثيين سيطروا في وقت سابق من الشهر على ميناء المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، ما نقل قواتهم إلى قلب منطقة تعد من أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية. وأشارت الوكالة إلى أن باب المندب كان قد تحول إلى مسار بديل لصادرات النفط السعودية إلى آسيا بعدما أصبحت الملاحة عبر هرمز أكثر صعوبة.
وتزداد خطورة هذا التطور لأن باب المندب ليس مجرد ممر للسفن التجارية؛ بل يمثل بوابة البحر الأحمر نحو المحيط الهندي، وأي اضطراب مستمر فيه يرفع كلفة الشحن والتأمين ويحد من قدرة شركات النقل والطاقة على استخدام المسار بكفاءة.
أما «فايننشال تايمز»، فأشارت اليوم إلى تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية خلال الأيام الماضية، وإلى أن الجماعة تقدمت على ساحل البحر الأحمر، بالتزامن مع اضطراب عمليات نفطية سعودية وارتفاع المخاطر على حركة الملاحة.
هنا تكمن القصة الأهم. بحسب «واشنطن بوست»، قال مسؤولان يمنيان من الحكومة المدعومة من السعودية إن طلبات المساعدة المقدمة إلى واشنطن لم تلقَ الاستجابة التي كانت الرياض وحلفاؤها يتوقعونها.
لكن الرواية الأميركية أكثر تحفظًا.
وقال مسؤول كبير في إدارة ترامب للصحيفة إن الولايات المتحدة تركز على «مصالحها الأساسية في الأمن القومي»، ومنها حرية الملاحة في البحر الأحمر، وإنها تعمل على تمكين شركائها الإقليميين من قيادة التعامل مع التحديات الأمنية في المنطقة. كما أكد أن واشنطن على تواصل مستمر مع السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وهذا التفصيل مهم؛ إذ لا تشير المعطيات المتاحة إلى أن واشنطن قطعت شراكتها الأمنية مع الرياض، لكنها تشير إلى حدود واضحة للتدخل الأميركي المباشر في الجبهة اليمنية في الوقت الراهن.
كما أن إدارة ترامب لا تريد بالضرورة تحويل الحرب مع إيران إلى حرب طويلة متعددة الجبهات، خصوصًا مع استمرار الضغوط المرتبطة بالطاقة والذخائر والانتشار العسكري الأميركي في المنطقة.
على مدى عقود، قامت العلاقة السعودية–الأميركية على معادلة استراتيجية تقوم على أمن المملكة واستقرار أسواق الطاقة.
لكن الحرب الحالية تختبر هذه المعادلة بطريقة مختلفة.
فالسعودية تواجه تهديدًا يأتي من اتجاهين: إيران وحلفاؤها من جهة، والحوثيون من جهة أخرى، بينما أصبحت حماية صادرات الطاقة أكثر تعقيدًا بسبب اضطراب هرمز وباب المندب في الوقت نفسه.
وتقول «واشنطن بوست» إن الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي الذي أبرمته الرياض وواشنطن العام الماضي لم يتضمن التزامًا أميركيًا بالدفاع المتبادل، رغم توسع العلاقات العسكرية والاستثمارية بين البلدين.
وهذا يفسر جانبًا من المعضلة الحالية: التعاون العسكري بين البلدين واسع، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن كل هجوم على السعودية سيؤدي إلى تدخل عسكري أميركي مباشر.
من المهم هنا عدم تقديم دوافع الحوثيين باعتبارها حقيقة محسومة.
فالجماعة تقول إن تصعيدها مرتبط بما تعتبره عدوانًا سعوديًا، بينما ترى الرياض وحلفاؤها أن الهجمات جزء من استراتيجية أوسع مرتبطة بإيران وتهديد أمن المملكة والملاحة.
وتشير «واشنطن بوست» إلى أن الحوثيين يربطون استمرار هجماتهم بوقف العمليات السعودية في اليمن، في حين يرى محللون تحدثوا للصحيفة أن الموقع الجغرافي لليمن وباب المندب يمنح الجماعة ورقة ضغط تتجاوز حدود الصراع اليمني نفسه.
وهنا تكمن أهمية الجغرافيا: كلما ثبت الحوثيون وجودهم على الساحل، أصبحت قدرتهم على التأثير في الملاحة والتجارة والطاقة أكبر، حتى من دون السيطرة على كامل اليمن.
المسألة بالنسبة للسعودية لم تعد فقط كيف توقف الهجمات الحوثية؟ بل كيف تحمي منظومة الطاقة والتجارة إذا استمرت الحرب في الضغط على أكثر من طريق في الوقت نفسه؟
فخط شرق–غرب يمثل بديلًا عن هرمز، وباب المندب يمثل منفذًا بحريًا رئيسيًا من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي. وعندما يتعرض أكثر من مسار للاضطراب، ترتفع كلفة حماية صادرات النفط وتزداد حساسية الأسواق لأي تصعيد جديد.
وفي المقابل، تبدو واشنطن أمام حساب مختلف: حماية حرية الملاحة ومصالحها الأمنية، مع تجنب الانجرار إلى حرب يمنية واسعة في وقت تتداخل فيه الجبهة اليمنية مع الحرب الأكبر مع إيران.
الاختبار الحقيقي خلال الأيام المقبلة سيكون في قدرة السعودية على احتواء الضغط الحوثي من دون تحويل المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع، وفي قدرة واشنطن على حماية الملاحة ومصالح الطاقة من دون الدخول في التزام عسكري مفتوح في اليمن.
أما إذا واصل الحوثيون تثبيت مواقعهم قرب باب المندب، واستمرت الهجمات على البنية النفطية السعودية، فقد تتحول الجبهة اليمنية تدريجيًا من ملف أمني إقليمي إلى عامل مؤثر مباشرة في حركة النفط والتجارة العالمية.
وهنا يصبح السؤال الذي تطرحه التطورات الحالية أكبر من حدود اليمن والسعودية: هل تستطيع واشنطن حماية الممرات الحيوية للطاقة من دون أن تصبح طرفًا مباشرًا في الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند [...]

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن [...]

لم يكن لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على هامش قمة بريكس في نيودلهي، مجرد صورة دبلوماسية عابرة، لكنه في الوقت نفسه لا يكفي وحده للقول إن الإمارات وإيران دخلتا مرحلة مصالحة كاملة. اللقاء، الذي عُقد السبت 12 سبتمبر، جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، [...]

زعمت صحيفة «إسرائيل هيوم» أن السعودية طلبت بصورة غير مباشرة دعمًا إسرائيليًا لمواجهة التهديد الحوثي المتصاعد عند باب المندب، مشيرة إلى أن التواصل جرى عبر القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، وأن الطلب تضمن مساعدة استخباراتية لمواجهة الخطر المتزايد على الملاحة. ولم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي سعودي أو إسرائيلي لهذه الرواية، ما يجعلها في إطار المعلومات [...]

لم يعد التقدم العسكري للحوثيين في اليمن مجرد تطور جديد في مسار الحرب اليمنية، بل بدأ يتحول إلى اختبار مباشر لقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على حماية أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب إدارة حربها مع إيران من دون فتح جبهة عسكرية جديدة. ووصول الحوثيين إلى جزيرة [...]

لم تعد أزمة طرق الطاقة في الخليج مرتبطة بمضيق هرمز وحده. فبينما لا تزال حركة النفط عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم تواجه اضطرابات متواصلة، وجدت السعودية نفسها أمام تهديد جديد طال أحد أهم البدائل البرية للمضيق، بالتزامن مع تقدم جماعة الحوثيين نحو باب المندب وسيطرتها على جزيرة ميون الاستراتيجية. وفي غضون أيام، اجتمعت [...]