منذ 30 نوفمبر 1971، تسيطر إيران على جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، الواقعة في الخليج العربي قرب مضيق هرمز، فيما تتمسك دولة الإمارات العربية المتحدة بالسيادة عليها وتدعو إلى تسوية النزاع بالوسائل السلمية والقانونية. وبعد أكثر من خمسة عقود، لا تزال الجزر الثلاث إحدى أبرز القضايا العالقة في العلاقات الإماراتية الإيرانية، بما تحمله من أبعاد تاريخية وقانونية واستراتيجية تتجاوز مساحتها الجغرافية المحدودة.
لكن ماذا نعرف فعلاً عن هذه الجزر؟ وكيف وصلت إلى وضعها الراهن؟ وما الفرق بين الظروف التي أحاطت بأحداث عام 1971 في أبو موسى وتلك التي شهدتها طنب الكبرى وطنب الصغرى؟ ولماذا بقي الخلاف من دون تسوية نهائية رغم مرور كل هذه السنوات؟
ثلاث جزر وموقع استراتيجي
تقع الجزر الثلاث في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز والتجارة العالمية. ويمنحها هذا الموقع أهمية استراتيجية، لكنه لا يحسم بمفرده مسألة السيادة؛ فملكية الأراضي المتنازع عليها تتطلب النظر في الوقائع التاريخية والوثائق والمواقف القانونية ذات الصلة.
وتوضح موسوعة إيرانيكا المتخصصة في الدراسات الإيرانية وتاريخ المنطقة أن خلفية كل جزيرة تختلف عن الأخرى، خصوصاً في ما يتعلق بالترتيبات التي سبقت انسحاب بريطانيا من الخليج عام 1971. وهذا الاختلاف مهم لفهم النزاع بعيداً عن اختزاله في رواية واحدة تشمل الجزر الثلاث بالتفاصيل نفسها.
ماذا حدث في نوفمبر 1971؟
في 30 نوفمبر 1971، دخلت القوات الإيرانية الجزر الثلاث، قبل يومين من إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر، وفي المرحلة الأخيرة من الوجود البريطاني في الخليج.
وتقدم وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، المنشورة في أرشيف وزارة الخارجية الأميركية، وصفاً معاصراً للأحداث. فبحسب مذكرة أميركية مؤرخة في الأول من ديسمبر 1971، جرى دخول القوات الإيرانية إلى أبو موسى وفق الترتيبات التي تفاوضت عليها بريطانيا مع إيران وحاكم الشارقة، بينما لم يكن هناك اتفاق مماثل مع حاكم رأس الخيمة بشأن جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.
وتذكر موسوعة إيرانيكا أن المواجهة التي صاحبت الإنزال في جزيرتي طنب أسفرت، وفق ما أورده المرجع، عن مقتل جنديين إيرانيين وخمسة من رجال شرطة رأس الخيمة. وتؤكد الإمارات أن إيران استولت على الجزيرتين بالقوة، بينما تعتبرهما طهران جزءاً من أراضيها.
وتكشف الوثائق الأميركية أن انتقال السيطرة على الجزر ارتبط أيضاً بترتيبات الانسحاب البريطاني والمفاوضات الإقليمية في ذلك الوقت؛ وهو سياق يساعد على تفسير توقيت الأحداث، لكنه لا يشكل وحده حكماً قانونياً نهائياً في مسألة السيادة.
أبو موسى.. مذكرة تفاهم لم تحسم السيادة
لم تتضمن مذكرة التفاهم بشأن أبو موسى تنازلاً من الشارقة عن مطالبتها بالسيادة على الجزيرة، كما لم تتضمن اعترافاً من الشارقة بالسيادة الإيرانية عليها. بل نصت صراحة على أن إيران والشارقة لن تتخليا عن مطالبتيهما بالسيادة، ولن تعترف إحداهما بمطالبة الأخرى.
ووفقاً للنص المنشور في سجل المعاهدات التابع للأمم المتحدة، جاءت المذكرة في نوفمبر 1971، بوساطة بريطانية، لتنظيم ترتيبات الوجود والإدارة في الجزيرة. وسمحت للقوات الإيرانية بالتمركز في مناطق محددة موضحة على خريطة مرفقة، على أن تحتفظ الشارقة بالاختصاص في بقية الجزيرة، وفق الترتيبات المنصوص عليها في المذكرة.
كما نظمت المذكرة مسائل اقتصادية، من بينها تقاسم الإيرادات الحكومية الناتجة عن استغلال الموارد النفطية، ومنح مواطني إيران والشارقة حقوقاً متساوية في الصيد ضمن المياه الإقليمية للجزيرة.
وبذلك، لم تكن المذكرة اتفاقاً نهائياً على نقل السيادة إلى إيران، بل ترتيباً عملياً أُبرم مع بقاء مطالبتَي الطرفين بالسيادة قائمتين. وتؤكد موسوعة إيرانيكا أن مسألة السيادة ظلت غير محسومة في إطار هذه الترتيبات.
ومن المهم التمييز هنا بين قبول الشارقة ترتيبات محددة بشأن الوجود الإيراني والإدارة والموارد، وبين التنازل عن السيادة؛ فالنص نفسه يرفض اعتبار أي من المطالبتين متنازلاً عنها أو معترفاً بالمطالبة الأخرى.
وتُظهر هذه النقطة أيضاً اختلاف ملف أبو موسى عن طنب الكبرى وطنب الصغرى، إذ لم تُبرم مع حاكم رأس الخيمة مذكرة مماثلة بشأن الجزيرتين قبل دخول القوات الإيرانية إليهما في نوفمبر 1971.
طنب الكبرى وطنب الصغرى.. لماذا يختلف وضعهما؟
على خلاف أبو موسى، لم تُبرم تسوية مماثلة مع حاكم رأس الخيمة بشأن جزيرتي طنب قبل دخول القوات الإيرانية إليهما في نوفمبر 1971.
وتعرض موسوعة إيرانيكا في دراستها التاريخية لجزر طنب خلفية الخلاف على الجزيرتين، بما في ذلك التنافس على إدارتهما والمراسلات التي سبقت انسحاب بريطانيا. وتشير الموسوعة إلى أن الجزيرتين كانتا تحت إدارة حاكم رأس الخيمة منذ عام 1921 وحتى 30 نوفمبر 1971، وفق التسلسل الإداري الذي تعرضه الدراسة.
وتتمسك الإمارات بأن الجزيرتين تتبعان رأس الخيمة، وأن إيران استولت عليهما بالقوة. أما إيران فتعتبرهما جزءاً من أراضيها. ويظل هذا الخلاف منفصلاً في تفاصيله التاريخية عن وضع أبو موسى، حيث وجدت مذكرة تفاهم نظمت بعض ترتيبات الوجود والإدارة دون حسم السيادة.
ماذا تقول الإمارات؟ وماذا تقول إيران؟
تؤكد الإمارات سيادتها على الجزر الثلاث، وتدعو إلى تسوية النزاع بالطرق السلمية، بما يشمل المفاوضات المباشرة أو التحكيم أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية وفق الأسس والإجراءات القانونية اللازمة.
وفي رسالة مؤرخة في 9 مايو 2024، وجّهتها الإمارات إلى رئيس مجلس الأمن، أثارت أبوظبي ما وصفته بمشروعات إيرانية غير قانونية على الجزر، معتبرة أنها تمس سيادتها. وتوضح الوثيقة، المنشورة في المكتبة الرقمية للأمم المتحدة، استمرار طرح الإمارات القضية في المحافل الدولية. ومن المهم هنا التمييز بين مضمون الرسالة بوصفه موقفاً رسمياً إماراتياً وبين صدور حكم قضائي دولي.
في المقابل، تؤكد إيران أن الجزر جزء من أراضيها، وترفض المطالبات الإماراتية. وظهر هذا الموقف مجدداً في يونيو 2024، عندما استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير الصيني للاحتجاج على بيان صيني إماراتي دعا إلى تسوية النزاع بالطرق السلمية.
ووفقاً لما نقلته وكالة رويترز، تمسكت بكين بدعوتها إلى الحوار والتشاور لحل الخلاف، فيما رفضت طهران ما اعتبرته دعماً للمطالبات الإماراتية. وتوضح الواقعة أن القضية لا تقتصر على العلاقات الثنائية، بل تظهر أيضاً في علاقات الإمارات وإيران مع القوى الدولية.
ومن المهم التمييز بين عرض المواقف الرسمية وبين اعتمادها أحكاماً قانونية محسومة؛ فالمطالبة الإماراتية بالسيادة والموقف الإيراني المقابل يظلان جزءاً من نزاع لم يُحسم بحكم قضائي دولي.
هل حسمت الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية النزاع؟
يجب التمييز بين إثارة قضية أمام الأمم المتحدة، وتسجيل المواقف الرسمية بشأنها، وبين صدور حكم قضائي يفصل في السيادة.
فوجود مراسلات وبيانات متبادلة في سجلات الأمم المتحدة لا يعني أن المنظمة أصدرت حكماً نهائياً بملكية الجزر. كذلك، لا يوجد حكم صادر عن محكمة العدل الدولية يفصل في السيادة على أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.
وتدعو الإمارات إلى تسوية النزاع بالطرق القانونية والدبلوماسية، بما في ذلك إمكان اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. لكن الوصول إلى حكم من المحكمة يتطلب توافر الأساس القانوني والإجرائي اللازم لاختصاصها.
وبالتالي، فإن استمرار القضية لا يعني أن المؤسسات الدولية حسمتها لمصلحة أحد الطرفين، بل يعكس بقاء الخلاف من دون تسوية نهائية مقبولة من الطرفين.
لماذا تظل الجزر مهمة اليوم؟
لا ترتبط أهمية الجزر الثلاث بمساحتها وحدها، بل بموقعها بالقرب من مضيق هرمز، الذي يمثل ممراً حيوياً للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وتبرز وكالة أسوشيتد برس في تغطياتها لمضيق هرمز والتوترات الإقليمية أهمية هذا الممر في حسابات الأمن البحري والطاقة. ويشرح هذا السياق جانباً من الاهتمام الاستراتيجي بالجزر، لكنه لا يشكل في حد ذاته دليلاً على السيادة لأي من الطرفين.
ومع استمرار التوترات في الخليج، تتداخل ثلاثة أبعاد في القضية: الخلاف التاريخي والقانوني، وأمن الملاحة البحرية، والعلاقات السياسية بين الإمارات وإيران. لكن هذه الأبعاد، على أهميتها، لا تغني عن معالجة أصل النزاع من خلال مسار تفاوضي أو قانوني واضح.
ما وراء الخبر
تكشف قضية الجزر الثلاث عن فجوة مستمرة بين الواقع الميداني والمواقف القانونية والسياسية. فإيران تسيطر على الجزر منذ عام 1971، بينما تواصل الإمارات المطالبة بالسيادة عليها وتدعو إلى تسوية النزاع بالوسائل السلمية.
ويبرز ملف أبو موسى خصوصاً أن الترتيبات العملية التي تسمح بوجود طرف في منطقة متنازع عليها لا تعني بالضرورة إغلاق مسألة السيادة. وفي المقابل، فإن استمرار المطالبة السياسية لا يؤدي وحده إلى تغيير الواقع الميداني.
السؤال الذي يظل مفتوحاً ليس فقط لماذا استمر النزاع أكثر من نصف قرن، بل ما المسار القادر على نقله من تبادل المواقف إلى تسوية فعلية: مفاوضات مباشرة، أم تحكيم، أم اللجوء إلى القضاء الدولي؟ وحتى يتضح ذلك، ستظل الجزر الثلاث قضية تتقاطع فيها الوثائق التاريخية مع الحسابات الاستراتيجية والقانون الدولي.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *