يمثل وصول السفير الإسرائيلي مايكل لوتم إلى أرض الصومال خطوة جديدة في مسار التقارب بين الجانبين، ويعزز الحضور الدبلوماسي الإسرائيلي في منطقة تطل على خليج عدن، بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
وتأتي الخطوة بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر/كانون الأول 2025، لتفتح مرحلة جديدة من العلاقات في وقت تتزايد فيه أهمية القرن الأفريقي ضمن حسابات أمن البحر الأحمر والتنافس الإقليمي، خصوصاً مع استمرار التوترات المرتبطة بإيران والحوثيين.
وأفاد موقع «قران نيوز» الإخباري في أرض الصومال، في 30 أكتوبر، بوصول السفير الإسرائيلي مايكل لوتم إلى هرغيسا، مشيراً إلى أنه سيقدم أوراق اعتماده إلى الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم «إيرو»، ويشارك في مراسم وضع حجر الأساس لمقر السفارة الإسرائيلية.
وكانت إسرائيل قد عينت لوتم سفيراً لديها لدى أرض الصومال في أبريل/نيسان 2026، فيما عينت هرغيسا محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل، في خطوة عكست انتقال العلاقة إلى مستوى دبلوماسي أكثر انتظاماً.
لماذا تمثل أرض الصومال موقعاً مهماً لإسرائيل؟
تنبع أهمية أرض الصومال من موقعها الجغرافي على خليج عدن، قبالة السواحل اليمنية، وبالقرب من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وهذا الموقع يجعلها جزءاً من معادلة الأمن البحري التي تشمل باب المندب وخطوط الملاحة التجارية بين آسيا وأوروبا.
ومن منظور إسرائيلي، يوفر الاعتراف بأرض الصومال فرصة لبناء علاقات مباشرة مع كيان يتمتع بإدارة مستقلة على الأرض، ويطل على منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، خصوصاً مع التهديدات التي تعرضت لها الملاحة في البحر الأحمر جراء هجمات الحوثيين.
وتشير تحليلات إسرائيلية وغربية إلى أن العلاقة مع هرغيسا قد تتيح لإسرائيل فرصاً أوسع للتعاون الأمني والبحري ومتابعة التهديدات في محيط البحر الأحمر. غير أن هذه التقديرات لا تعني وجود اتفاق معلن لإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية في الإقليم.
وفي هذا السياق، قال وزير دفاع أرض الصومال محمد يوسف علي لوكالة «رويترز» في يونيو/حزيران 2026 إن إسرائيل تدرب بعض قوات الشرطة والجيش، لكنه نفى وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية أو إجراء مفاوضات لإقامتها في ذلك الوقت.
وتكشف هذه التصريحات عن وجود تعاون أمني معلن، لكنها لا تقدم دليلاً على انتشار عسكري إسرائيلي دائم في الإقليم.
إسرائيل وتركيا.. زاوية أخرى للتنافس في القرن الأفريقي
لا تقتصر دوافع التقارب بين هرغيسا وتل أبيب على الموقع القريب من باب المندب أو التهديدات الحوثية، إذ تبرز تركيا بوصفها عاملاً آخر في حسابات أرض الصومال.
وفي تقرير ميداني نشرته «ميدل إيست آي» في أكتوبر 2026، نقل الموقع عن مسؤولين في هرغيسا أن الإقليم ينظر إلى التعاون مع إسرائيل باعتباره فرصة لموازنة تنامي النفوذ العسكري التركي في الصومال.
وتحدث مسؤولون في أرض الصومال عن حاجتهم إلى أنظمة دفاع جوي، وعن إمكانية الاستفادة من التعاون مع إسرائيل في تعزيز القدرات الأمنية. وتكشف هذه التصريحات أن بعض دوائر القرار في هرغيسا تنظر إلى العلاقة مع تل أبيب من زاوية التنافس مع مقديشو وأنقرة، وليس فقط من منظور مواجهة الحوثيين.
وفي المقابل، لا يبدو أن حسابات الطرفين متطابقة تماماً بشأن أمن البحر الأحمر. فإسرائيل تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم تهديداً لأمنها ومصالحها البحرية، بينما تحاول أرض الصومال تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة معهم، حتى لا تتحول أراضيها إلى ساحة إضافية للصراعات الإقليمية.
وهذا التباين يكشف حدود المصالح المشتركة بين الطرفين، ويطرح تساؤلات حول طبيعة التعاون الأمني الذي يمكن أن يتطور بينهما خلال المرحلة المقبلة.
الصومال ومصر والسعودية وتركيا.. حسابات تتجاوز هرغيسا
أثار الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال اعتراضات من الحكومة الصومالية، التي تعتبر الإقليم جزءاً من أراضيها، وترى في التعامل معه كدولة مستقلة انتهاكاً لسيادتها ووحدة أراضيها.
كما رفض الاتحاد الأفريقي الاعتراف، مؤكداً تمسكه بوحدة الصومال وسلامة أراضيه، وسط مخاوف من أن يؤدي الاعتراف بأقاليم انفصلت من جانب واحد إلى تعقيد النزاعات الحدودية والانفصالية في القارة.
وتتداخل هذه المواقف مع مصالح دول إقليمية لها حضور سياسي وأمني في القرن الأفريقي. فتركيا ترتبط بعلاقات عسكرية واقتصادية وثيقة مع الحكومة الصومالية، بينما تنظر مصر إلى وحدة الصومال باعتبارها مسألة ترتبط بأمن المنطقة والقرن الأفريقي.
أما السعودية، فتكتسب التطورات أهمية خاصة بالنسبة إليها بحكم ارتباط أمن البحر الأحمر وخليج عدن بأمن الملاحة والتجارة والطاقة، وبحكم موقفها الداعم لوحدة الأراضي الصومالية.
وبذلك، لا يمكن التعامل مع التقارب الإسرائيلي مع أرض الصومال باعتباره علاقة ثنائية معزولة، بل تطوراً يضاف إلى شبكة التنافس على النفوذ والموانئ والممرات البحرية في المنطقة.
هل يتحول الاعتراف إلى نفوذ على البحر الأحمر؟
تكمن أهمية وصول السفير الإسرائيلي إلى هرغيسا في أنه يعزز انتقال العلاقة من مستوى الاعتراف السياسي إلى مرحلة أكثر انتظاماً في التمثيل الدبلوماسي والتعاون بين الجانبين.
فإسرائيل تسعى إلى توسيع علاقاتها في محيط البحر الأحمر، فيما تبحث أرض الصومال عن اعتراف دولي وشركاء قادرين على دعم اقتصادها وتعزيز قدراتها الأمنية. ويلتقي الطرفان عند موقع جغرافي يمنح العلاقة قيمة استراتيجية تتجاوز حجم التبادل التجاري أو التعاون الثنائي.
لكن التحدي أمام هرغيسا يتمثل في أن تعزيز علاقاتها مع إسرائيل قد يفتح لها أبواباً دبلوماسية جديدة، لكنه قد يزيد في المقابل من تعقيد علاقاتها مع الصومال ودول إقليمية ترى في الخطوة تهديداً لمصالحها.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن وجود علاقات دبلوماسية في أرض الصومال قد يمنحها قناة إضافية للتواصل والتعاون في منطقة حساسة، لكنه لا يعني تلقائياً امتلاكها قاعدة عسكرية أو قدرة على التحكم في حركة الملاحة عبر باب المندب.
والسؤال الذي ستكشف عنه المرحلة المقبلة هو ما إذا كان التقارب سيبقى في إطار العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والأمني، أم سيتطور إلى ترتيبات أوسع تمنح إسرائيل حضوراً عملياً أكبر على الضفة الأفريقية لخليج عدن.
حتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية على إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال. لكن تثبيت الحضور الدبلوماسي والتصريحات المتعلقة بالتعاون الأمني يجعلان العلاقة تطوراً يستحق المتابعة، في منطقة تتزايد فيها أهمية الجغرافيا البحرية ضمن حسابات الأمن والتنافس الإقليمي.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *