تجاوزت زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إلى موسكو المشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، لتفتح الباب أمام طرح ملفات اقتصادية واستراتيجية تتصل بمستقبل العلاقات بين البلدين، وفي مقدمتها التعدين والبنية التحتية والموانئ والوجود الاقتصادي الروسي المحتمل على ساحل البحر الأحمر.
والتقى البرهان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين يوم 30 أكتوبر، بعد مشاركته في القمة التي انعقدت يومي 28 و29 أكتوبر. وخلال اللقاء، عرض البرهان استعداد السودان لإتاحة مواقع أمام الشركات الروسية لاستخراج الذهب والنحاس ومعادن أخرى، كما طرح إنشاء منطقة اقتصادية حرة روسية على ساحل البحر الأحمر، يمكن أن تضم منشآت لتخزين الوقود والقمح.
وشملت المقترحات أيضاً مشاركة الشركات الروسية في تطوير شبكة السكك الحديدية السودانية، فيما أعلن بوتين استعداد بلاده لتوسيع التعاون مع الخرطوم في مجالات تشمل الصناعة والخدمات اللوجستية والتعليم والصحة والتطوير الرقمي، مشيراً إلى تقديم خارطة طريق لمجالات التعاون الثنائي.
وتكشف هذه المقترحات أن موسكو والخرطوم تنظران إلى العلاقة باعتبارها فرصة لتوسيع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان السودان قادراً على تحويل هذه العروض إلى مشروعات قابلة للتنفيذ في ظل الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
مكسب دبلوماسي في ظل العزلة والحرب
تكتسب الزيارة أهمية سياسية بالنسبة إلى البرهان، إذ تمنح القيادة السودانية حضوراً على منصة دولية تستضيفها روسيا، وتتيح لها إجراء محادثات مباشرة مع الرئيس الروسي، في وقت تسعى فيه الخرطوم إلى توسيع علاقاتها الخارجية والحصول على دعم سياسي في مواجهة تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
وتستند العلاقة بين البلدين إلى تقارب دبلوماسي ظهر بوضوح في مجلس الأمن. فقد استخدمت روسيا حق النقض «الفيتو» في نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار بشأن السودان، كما عارضت توسيع حظر الأسلحة ليشمل مناطق خارج إقليم دارفور.
ويمثل هذا الموقف رصيداً دبلوماسياً مهماً للخرطوم، لكنه لا يعني بالضرورة أن موسكو ستتبنى جميع مواقفها أو تقدم دعماً غير مشروط لها. فروسيا تتحرك أيضاً وفق حساباتها ومصالحها الإقليمية والدولية.
وخلال كلمته أمام القمة الروسية الأفريقية، أعرب البرهان عن تقديره للموقف الروسي الداعم لسيادة السودان ووحدة أراضيه، مؤكداً رغبة بلاده في تطوير العلاقات الثنائية، بالتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
البحر الأحمر والتعدين.. ماذا تريد موسكو؟
يبدو أن البعد الاقتصادي والاستراتيجي كان حاضراً بقوة في محادثات البرهان وبوتين. فالمقترح السوداني بإنشاء منطقة اقتصادية حرة روسية على ساحل البحر الأحمر، مع إتاحة منشآت لتخزين الوقود والقمح، يتجاوز التعاون التجاري التقليدي إلى بناء حضور اقتصادي ولوجستي في منطقة ذات أهمية كبيرة لحركة التجارة الدولية.
وتكمن أهمية المقترح بالنسبة إلى السودان في إمكانية تطوير مرافق التخزين والخدمات اللوجستية، وتنشيط الموانئ، وجذب استثمارات تساعد على إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة. كما يمكن أن يفتح المجال أمام استخدام الموقع السوداني بوابةً للتجارة مع أسواق إقليمية وأفريقية.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن تعزيز حضورها الاقتصادي على ساحل البحر الأحمر يتيح لها توسيع شبكة مصالحها في منطقة تربط طرق التجارة بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وتكتسب أهمية متزايدة في حسابات القوى الدولية.
ويبرز التعدين مجالاً آخر للتعاون المحتمل، بعدما أعلن البرهان استعداد السودان لإتاحة مواقع لاستخراج الذهب والنحاس ومعادن أخرى أمام الشركات الروسية. ويملك هذا القطاع أهمية خاصة للاقتصاد السوداني، لكنه يحتاج إلى استثمارات وتمويل وتقنيات حديثة، فضلاً عن بيئة أمنية وقانونية مستقرة تضمن حماية الاستثمارات وحقوق الدولة.
كذلك طرح البرهان مشاركة روسيا في تطوير شبكة السكك الحديدية، بما قد يساعد على ربط مناطق الإنتاج بمراكز التصدير والأسواق. غير أن هذه المشروعات لا تزال في إطار المقترحات المعلنة، ولا تتوافر حتى الآن تفاصيل كافية عن حجم التمويل أو الجداول الزمنية أو الاتفاقات التنفيذية.
التعاون العسكري.. ملف حاضر بلا اتفاق معلن
لم يكن الجانب الأمني بعيداً عن الزيارة. فقد ضم الوفد السوداني مدير جهاز المخابرات العامة ومدير منظومة الصناعات الدفاعية، إلى جانب وزيري الخارجية والمالية، وهو ما يعكس اتساع الملفات التي أرادت الخرطوم طرحها خلال مشاركتها في القمة والمحادثات الثنائية.
وقد يفتح التقارب مع موسكو المجال أمام تعاون في الصناعات الدفاعية والتدريب والتقنيات العسكرية، لكن وجود مسؤولين أمنيين وعسكريين في الوفد لا يكفي وحده لإثبات التوصل إلى اتفاقات جديدة في التسليح أو تبادل المعلومات.
ولم تُعلن، في المعلومات المتاحة عن اللقاء، تفاصيل اتفاق عسكري جديد أو صفقة تسليح محددة. ولذلك، فإن الحديث عن مكاسب أمنية مباشرة يظل احتمالاً مرتبطاً بما قد تسفر عنه المفاوضات اللاحقة، وليس نتيجة مؤكدة للزيارة.
وفي المقابل، قال بوتين إن بلاده تبحث سبل المساعدة في تهدئة الوضع بالسودان، داعياً إلى وقف الأعمال القتالية والتوصل إلى تسوية سياسية. لكن هذا الموقف لا يعني أن موسكو أصبحت وسيطاً رئيسياً في الحرب، أو أنها تملك وحدها أدوات التأثير على طرفي الصراع.
حسابات السودان ومخاطر الرهان على موسكو
من الناحية الاستراتيجية، تمنح العلاقة مع روسيا الخرطوم فرصة لتنويع شركائها الدوليين وتقليل اعتمادها على عدد محدود من القوى الخارجية. فالسودان يحتاج إلى تمويل إعادة الإعمار، واستثمارات في الطاقة والتعدين والنقل والزراعة، إلى جانب دعم دبلوماسي يساعده على التعامل مع الضغوط الدولية.
لكن توسيع الشراكة مع موسكو يحمل تحديات أيضاً. فالعقوبات الغربية المفروضة على روسيا قد تعقّد عمليات التمويل والتحويلات المصرفية والتجارة، وتحد من قدرة الشركات الروسية على تنفيذ مشروعات كبيرة في السودان. كما أن تعميق التعاون العسكري قد يزيد حساسية علاقات الخرطوم مع الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
وهناك تحدٍ آخر يتعلق بطبيعة المصالح الروسية نفسها. فموسكو لا تتحرك في السودان بدوافع اقتصادية فقط، بل تنظر إلى موقعه على البحر الأحمر وموارده الطبيعية باعتبارهما جزءاً من حساباتها الأوسع في أفريقيا. وهذا يفرض على الخرطوم التفاوض من موقع يضمن توازن المصالح، ويحافظ على سيادتها على الموانئ والموارد والمنشآت الاستراتيجية.
كما أن استمرار الحرب يمثل العقبة الأكبر أمام أي استثمار طويل الأمد. فالشركات تحتاج إلى ضمانات أمنية وقانونية، وإلى مؤسسات مستقرة وبيئة اقتصادية تسمح بتحويل الوعود السياسية إلى مشروعات منتجة.
ما وراء الزيارة: اختبار التنفيذ لا قوة التصريحات
على المدى القصير، حقق البرهان مكسباً دبلوماسياً من خلال اللقاء المباشر مع بوتين وطرح ملفات السودان على مستوى رفيع، إلى جانب إظهار استعداد موسكو لتوسيع التعاون الاقتصادي والسياسي مع الخرطوم.
لكن المكسب الأهم سيظل مرتبطاً بما سيحدث بعد انتهاء الزيارة: هل تتحول المنطقة الاقتصادية الحرة المقترحة على البحر الأحمر إلى مشروع واضح؟ وهل تدخل شركات روسية فعلياً في التعدين والسكك الحديدية؟ وهل تحصل الخرطوم على تمويل واستثمارات قابلة للتنفيذ، أم تبقى المحادثات في إطار إعلان النوايا؟
وتكشف الزيارة عن تقاطع مصالح بين بلد يحتاج إلى شركاء لإعادة بناء اقتصاده وتعزيز موقعه الدبلوماسي، وقوة دولية تسعى إلى توسيع حضورها في أفريقيا وعلى طرق التجارة البحرية.
وبالنسبة إلى السودان، لا تكمن قيمة زيارة موسكو في التقارب مع روسيا بحد ذاته، بل في قدرته على تحويل هذا التقارب إلى استثمارات تحمي موارده، وتدعم إعادة الإعمار، وتمنحه هامشاً أوسع للحركة الدولية، من دون أن يتحول موقعه الاستراتيجي إلى ورقة في صراع نفوذ بين القوى الكبرى.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *