لم تعد أزمة مضيق هرمز تقتصر على تهديد عبور ناقلات النفط، بل بدأت تغيّر طريقة نقل الخام من الخليج إلى الأسواق الآسيوية، مع لجوء شركات الشحن إلى نظام نقل على مرحلتين يرفع عدد الناقلات المطلوبة ويزيد كلفة وصول البرميل إلى المصافي.
وبحسب تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي» في 30 أكتوبر، باتت ناقلات تحمل النفط من الموانئ الخليجية وتعبر المضيق، قبل أن تنقل حمولاتها إلى ناقلات أخرى تنتظر في خليج عُمان، لتكمل الرحلة نحو آسيا. ويهدف هذا الأسلوب إلى تقليل تعرض بعض السفن لمخاطر العبور وتكاليف التأمين، لكنه يجعل عملية النقل أكثر تعقيداً وكلفة.
ناقلات أكثر.. وكلفة أعلى
تظهر الأرقام حجم التحول في سوق الشحن. فقد ارتفعت كلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لتنفيذ الرحلة من خليج عُمان إلى آسيا من نحو 249 ألف دولار يومياً في مطلع سبتمبر إلى 931 ألف دولار في الأسبوع الأول من أكتوبر، وفق تقديرات محللة قطاع الناقلات لدى شركة «برايمار» التي نقلتها «سي إن بي سي».
وانعكس ذلك على كلفة نقل البرميل، التي ارتفعت من نحو 6.50 دولارات إلى 21 دولاراً. كما أصبح نحو 20% من أسطول ناقلات النفط العملاقة في العالم مرتبطاً بعمليات النقل المرحلي، ما يقلص السفن المتاحة لرحلات أخرى ويزيد الضغط على سوق الشحن.
ولا تعني هذه الزيادة بالضرورة أن السعر النهائي للنفط سيرتفع بالمقدار نفسه؛ إذ تتأثر الكلفة التي يتحملها المستوردون بعوامل أخرى، بينها سعر الخام، وشروط العقود، وهوامش التكرير، والقدرة على تمرير تكاليف النقل إلى المستهلكين.
تراجع العبور رغم استمرار تدفق النفط
تكشف حركة السفن أن استئناف تدفق النفط لا يعني عودة الملاحة إلى طبيعتها. فقد نقلت «رويترز» في 31 أكتوبر عن بيانات شركة «كلبر» أن خمس سفن محملة أو مرتبطة بتجارة السلع عبرت المضيق يوم السبت، مقابل 31 سفينة خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة، بينما لم تُسجل عبورات يوم الأحد في البيانات المشار إليها.
لكن بيانات التتبع لا تقدم صورة كاملة بالضرورة، إذ يمكن لبعض السفن إيقاف أجهزة التعريف الآلي أثناء العبور. ومع ذلك، يظل الفارق كبيراً مقارنة بأكثر من 130 سفينة كانت تعبر المضيق يومياً قبل اندلاع الحرب، بحسب التقرير.
وفي المقابل، أظهرت بيانات «كلبر» التي أوردتها «سي إن بي سي» أن متوسط صادرات النفط الخام عبر هرمز بلغ نحو 11.1 مليون برميل يومياً خلال أكتوبر، أي أقل بنحو 2% فقط من سبتمبر، رغم تقلب التدفقات وتراجعها إلى 7.3 مليون برميل يومياً في الأسبوع المنتهي يوم الأربعاء المشار إليه في التقرير.
وهذا التباين مهم: فالتجارة لم تتوقف بالكامل، لكنها أصبحت تعتمد على ترتيبات تشغيلية أكثر كلفة ومخاطرة، وعلى استمرار الحماية العسكرية الأميركية للسفن العابرة، وفق التقرير.
التأمين ومخاطر الإمدادات
تضيف الهجمات على السفن طبقة أخرى من الضغوط. وذكرت «سي إن بي سي»، نقلاً عن بيانات المنظمة البحرية الدولية، أن 30 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، تعرضت لهجمات خلال أكتوبر حتى 27 منه، مقارنة بـ15 حادثة في سبتمبر، مع إصابة 16 بحاراً على الأقل.
وفي 30 أكتوبر، أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أن أربع ناقلات اشتعلت فيها النيران أو انفجرت، مدعية أن بعضها استخدم مسارات غير مصرح بها. لكن «رويترز» قالت إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه الرواية، كما أشارت إلى بلاغات منفصلة عن تعرض ناقلات لمقذوفات مجهولة، من دون تأكيد أن الحوادث تتعلق بالسفن نفسها.
وتعني هذه المخاطر أن شركات الشحن والمستوردين لا يحسبون تكلفة الوقود وحدها، بل يضعون في الحسبان أجور الناقلات والتأمين وتوافر السفن والوقت الإضافي اللازم لنقل الشحنات. وقد أشار مسؤول في شركة بترول الإمارات الوطنية «إينوك» إلى أن تكاليف عبور الناقلات والتأمين ارتفعت بشدة منذ اندلاع الحرب، في تصريحات نقلتها «رويترز» في سبتمبر.
ما وراء الخبر | اليوم ميديا
التحول الأهم في أزمة هرمز ليس فقط عدد السفن التي تعبر المضيق، بل الطريقة التي يعاد بها تنظيم تجارة النفط لتجاوز المخاطر. فنظام النقل على مرحلتين يساعد على استمرار تدفق الخام، لكنه يحوّل جزءاً من تكلفة الحرب إلى عبء تشغيلي دائم على شركات الشحن والمصافي والمستوردين.
وتكشف نسبة 20% من أسطول الناقلات العملاقة المرتبط بهذه العمليات أن الأزمة لا تستهلك وقت السفن وأموالها فحسب، بل تسحب أيضاً جزءاً من القدرة العالمية المتاحة لنقل النفط. وإذا استمرت هذه الترتيبات، فقد تبقى كلفة الإمدادات مرتفعة حتى في الفترات التي لا تشهد إغلاقاً كاملاً للمضيق.
وبالنسبة إلى الأسواق الآسيوية، لا يتوقف السؤال عند توافر البراميل، بل عند كلفة وصولها وانتظام مواعيد تسليمها. أما بالنسبة إلى المنتجين الخليجيين، فالتحدي هو الحفاظ على حصتهم في الأسواق مع ارتفاع تكاليف النقل والمخاطر، في وقت لا تزال فيه حركة الملاحة مرتبطة بتطورات أمنية وسياسية يصعب التنبؤ بها.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *