كشفت أزمة مضيق هرمز عن نقطة ضعف استراتيجية في أمن الطاقة الخليجي: اعتماد جزء كبير من صادرات النفط على ممر بحري واحد. وبينما تملك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تتيح لهما نقل الخام إلى منافذ بحرية خارج المضيق، فإن هذه المسارات لا توفر حتى الآن بديلاً كاملاً عن هرمز، الذي تمر عبره كميات تفوق بكثير ما تستطيع البنية التحتية البديلة استيعابه.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن متوسط تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر مضيق هرمز بلغ نحو 20 مليون برميل يومياً خلال عام 2025، بما يعادل قرابة 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم. كما يتجه نحو 80% من النفط الذي يعبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعل أي اضطراب فيه مسألة تتجاوز دول الخليج إلى كبار المستوردين، وفي مقدمتهم الصين والهند واليابان.
في المقابل، تقدر الوكالة الطاقة المتاحة على مسارات تصدير بديلة عبر السعودية والإمارات بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يومياً. وهذا يعني أن البدائل، حتى عند احتساب الحد الأعلى للتقديرات، لا تستطيع تعويض سوى جزء من التدفقات التي تمر عبر المضيق.
السعودية.. خط أنابيب يصل الشرق بالبحر الأحمر
تمتلك السعودية أهم مسار بري بديل في المنطقة، وهو خط أنابيب شرق–غرب المعروف باسم «بترولاين»، الذي ينقل النفط من منطقة بقيق في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.
ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، وتبلغ طاقته التصميمية المعلنة نحو 7 ملايين برميل يومياً، بعد أن أعلنت أرامكو رفع قدرته في مارس 2025. لكن الطاقة التصميمية لا تعني أن الكمية نفسها يمكن ضخها وتصديرها بصورة مستدامة؛ إذ يتوقف ذلك على جاهزية محطات الضخ، والأنابيب، ومرافق التخزين والتحميل، وقدرة الموانئ على استقبال الناقلات.
وفي تطور يعكس أهمية هذا المسار خلال الأزمة، نقلت وكالة «رويترز» في 6 أكتوبر 2026 عن وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان أن التدفقات عبر خط الشرق–الغرب إلى ينبع وصلت إلى 5.8 ملايين برميل يومياً.
وكان الخط قد تعرض للتوقف بعد هجمات بطائرات مسيّرة في 11 سبتمبر، قبل استئناف تشغيله خلال أقل من أسبوع، وفق المعلومات التي نقلتها رويترز. وأظهرت بيانات شركة «كيبلر» أن التحميل من المحطتين الرئيسيتين على البحر الأحمر بلغ نحو 45 مليون برميل بين 17 سبتمبر و4 أكتوبر، بمتوسط يقارب 2.5 مليون برميل يومياً خلال تلك الفترة.
وهنا تظهر نقطة مهمة: رقم 5.8 ملايين برميل يومياً يشير إلى التدفقات عبر الخط وفق التصريح السعودي، بينما يعكس متوسط 2.5 مليون برميل يومياً كميات التحميل من المحطات خلال فترة محددة. ولا يجوز التعامل مع الرقمين باعتبارهما قياساً واحداً، أو اعتبار كامل الكمية المضخوخة صادرات فعلية وصلت إلى الأسواق.
ولا تنتهي التحديات عند وصول النفط إلى ينبع؛ فالشحنات المنطلقة من البحر الأحمر تتجه جنوباً عبر باب المندب للوصول إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية. وبذلك تتجنب الناقلات مضيق هرمز، لكنها تظل مرتبطة بممر بحري آخر له حساباته الأمنية واللوجستية.
خطة سعودية لرفع القدرة إلى 10 ملايين برميل
لا تقتصر الخطط السعودية على تشغيل البنية الحالية. ففي 12 أكتوبر 2026، قال وزير الطاقة إن المملكة تدرس رفع قدرة شبكة خطوط الأنابيب النفطية إلى 10 ملايين برميل يومياً خلال السنوات الثلاث المقبلة، عبر استثمارات وتحديثات إضافية.
وتشمل الخطط، وفق التصريحات التي نقلتها منصة «أرقام»، تعزيز قدرات الضخ والاستفادة مؤقتاً من خط أنابيب للغاز بعد تهيئته لنقل نحو 1.2 مليون برميل يومياً من النفط لمدة تتراوح بين سبعة وثمانية أسابيع، قبل إعادته إلى استخدامه الأصلي.
لكن هذه الكمية المؤقتة لا تمثل توسعة دائمة في قدرة نقل النفط، كما أن الوصول إلى مستوى 10 ملايين برميل يومياً يظل هدفاً مستقبلياً يتطلب تنفيذ الاستثمارات والتأكد من قدرة الموانئ والمنظومة اللوجستية على استيعابه.
الإمارات.. منفذ الفجيرة خارج المضيق
تملك الإمارات مساراً مختلفاً جغرافياً، يتمثل في خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام، المعروف باسم «حبشان–الفجيرة»، الذي ينقل النفط من الحقول البرية في أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان.
وتبلغ الطاقة الاسمية الأصلية للخط نحو 1.5 مليون برميل يومياً، فيما تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن قدرته الحالية المبلّغ عنها تقترب من 1.8 مليون برميل يومياً.
ووفق بيانات الوكالة، تصدّر الإمارات نحو 1.1 مليون برميل يومياً من الخام المحلي عبر هذا المسار، ما يترك هامشاً إضافياً يصل إلى نحو 700 ألف برميل يومياً في حال تعطل المرور عبر هرمز، شريطة توافر الظروف التشغيلية والتجارية اللازمة.
وتكمن الميزة الجغرافية لهذا الخط في أن ميناء الفجيرة يقع خارج مضيق هرمز، على خليج عُمان، ما يتيح للناقلات الوصول إلى بحر العرب والمحيط الهندي من دون عبور المضيق.
وتخطط الإمارات أيضاً لتوسيع قدرتها على نقل النفط إلى الفجيرة. وأعلنت أبوظبي في مايو 2026 تسريع مشروع خط أنابيب جديد من الشرق إلى الغرب، يستهدف مضاعفة قدرة التصدير عبر الفجيرة بحلول عام 2027.
ويمثل المشروع خطوة استراتيجية لتعزيز مرونة الصادرات الإماراتية، لكنه لا ينبغي احتسابه ضمن القدرة التشغيلية الحالية قبل اكتماله ودخوله الخدمة. كما أن زيادة طاقة خط الأنابيب وحدها لا تكفي؛ إذ تتطلب زيادة الصادرات توافر النفط، وسعات التخزين والتحميل، والناقلات، والقدرة على تلبية طلب المشترين.
ماذا تقول الأرقام عن قدرة البلدين؟
تضع بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم الاعتماد العالمي على هرمز في سياق واضح: نحو 20 مليون برميل يومياً عبر المضيق، مقابل قدرة بديلة متاحة تقدر بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يومياً عبر خطوط السعودية والإمارات.
وتوضح المقارنة أن البدائل لا تمثل سوى جزء من التدفقات المعتادة عبر المضيق. وحتى إذا وصلت القدرة المتاحة إلى الحد الأعلى للتقدير، فستظل هناك فجوة كبيرة بين ما يمكن تحويله إلى المسارات البديلة وما كان يمر عبر هرمز.
لكن المقارنة تحتاج إلى قدر من الدقة؛ فليس كل النفط الذي يعبر هرمز سعودياً أو إماراتياً، إذ تعتمد عليه أيضاً صادرات العراق والكويت وقطر والبحرين وإيران. لذلك لا يمكن اعتبار كامل تدفقات المضيق كميات يتعين على السعودية والإمارات إيجاد مسارات بديلة لها.
وتشير الوكالة كذلك إلى أن إعادة توجيه كميات كبيرة عبر خطوط الأنابيب والموانئ البديلة لم تُختبر بالكامل من حيث سلاسل الإمداد والعمليات اللوجستية. فهناك فرق بين امتلاك خط قادر نظرياً على ضخ كمية معينة، وبين القدرة على نقلها وتخزينها وتحميلها وشحنها بصورة متواصلة إلى الأسواق.
النفط ليس الغاز.. فجوة أخرى في أمن الطاقة
ولا تقتصر أهمية هرمز على تجارة النفط. فإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه يهدد أيضاً صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر المضيق نحو 93% من صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري و96% من صادرات الغاز المسال الإماراتي، وهو ما يمثل معاً قرابة 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وهذا يعني أن خطوط النفط السعودية والإماراتية لا تقدم حلاً مماثلاً لصادرات الغاز المسال؛ إذ لا يمكن نقل الغاز المسال عبر خطوط النفط ذاتها، كما أن البنية التحتية البديلة المطلوبة تختلف من حيث المعالجة والتسييل والتخزين والشحن.
ما وراء الخبر | اليوم ميديا
تكشف أزمة هرمز أن امتلاك النفط لا يضمن القدرة على بيعه في الأسواق العالمية عند تعطل طرق التصدير. فالمعادلة الحقيقية لأمن الطاقة لا تتعلق بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرة الدولة على نقل الخام إلى الساحل، وتحميله على الناقلات، وتأمين وصوله إلى المشترين.
وتمنح خطوط السعودية والإمارات البلدين ميزة استراتيجية لا تتوافر بالدرجة نفسها لدى بقية منتجي الخليج؛ فالسعودية تستطيع نقل النفط إلى البحر الأحمر، والإمارات إلى خليج عُمان. لكن اختلاف المسارين يعني أيضاً اختلاف المخاطر: الأول يرتبط بقدرة موانئ البحر الأحمر والملاحة عبر باب المندب، والثاني يعتمد على سلامة البنية التحتية ومرافق التصدير في الفجيرة.
والأهم أن توسيع خطوط الأنابيب لا يلغي الحاجة إلى هرمز بقدر ما يقلل حجم الاعتماد عليه. فالمضيق يظل ممراً رئيسياً لصادرات دول أخرى، ولجزء كبير من تجارة الغاز المسال، كما أن الطاقة البديلة المتاحة لا تكفي لتعويض تدفقاته المعتادة.
الخلاصة أن السعودية والإمارات تستطيعان تجاوز هرمز جزئياً، لكنهما لا تستطيعان الاستغناء عنه بالكامل في الوقت الراهن. وقد تدفع الأزمة البلدين إلى تسريع الاستثمار في خطوط الأنابيب والموانئ والتخزين، إلا أن بناء منظومة تصدير قادرة على العمل بعيداً عن المضيق يحتاج إلى سنوات واستثمارات كبيرة، وليس مجرد تحويل مسار الناقلات.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *