الرئيسية/اقتصاد/ماذا حدث داخل أكبر منصة للعملات المشفرة؟
اقتصاد

ماذا حدث داخل أكبر منصة للعملات المشفرة؟

لم يكن تعليق عمليات السحب والإيداع في منصة «باينانس» مجرد إجراء أمني اعتيادي، بل كشف عن هشاشة محتملة في البنية التي يعتمد عليها جزء كبير من سوق العملات المشفرة.

باينانس تعلّق السحب والإيداع وسط مخاوف من اختراق

لم يكن تعليق عمليات السحب والإيداع في منصة «باينانس» مجرد إجراء أمني اعتيادي، بل كشف عن هشاشة محتملة في البنية التي يعتمد عليها جزء كبير من سوق العملات المشفرة، بعدما واجهت أكبر منصة لتداول الأصول الرقمية تقارير عن حادث أمني قد يكون من أضخم عمليات الاختراق في تاريخ الصناعة.

وبينما أعلنت باينانس تجميد أصول رقمية بنحو 3 مليارات دولار، وأكدت أن أموال المستخدمين آمنة، كشفت تحركات شركات العملات المشفرة لتجميد مليارات أخرى عن جانب غير متوقع من الأزمة: المنظومة التي تقوم على فكرة الاستقلال عن المؤسسات المالية التقليدية باتت تعتمد، في لحظات الخطر، على شركات مركزية وجهات إنفاذ القانون لوقف حركة الأموال واستعادتها.

الحادث يطرح سؤالاً يتجاوز مصير منصة واحدة: هل تستطيع العملات المشفرة الحفاظ على صورتها باعتبارها بديلاً آمناً للنظام المالي التقليدي، إذا كانت المنصات التي تسهّل تداولها وتخزينها عرضة لمخاطر أمنية بهذا الحجم؟

ماذا حدث داخل باينانس؟

بدأت الأزمة عندما أعلنت باينانس، الخميس 29 أكتوبر، أنها تحقق في مشكلة أمنية محتملة، وأوقفت مؤقتاً عمليات الإيداع والسحب على المنصة كإجراء احترازي، بالتزامن مع مراجعة فرقها الأمنية للتحويلات والمعاملات المشبوهة.

ولم تؤكد الشركة في إعلانها الأول وقوع اختراق أو تحدد الحجم النهائي للأصول التي ربما تعرضت للسرقة، لكنها أكدت أن أموال المستخدمين آمنة، وأنها تعمل مع جهات إنفاذ القانون وشركات متخصصة في تحليل معاملات البلوك تشين لتعقب الأصول وتجميدها.

ووصف مؤسس باينانس والرئيس التنفيذي السابق تشانغبينغ تشاو الحادث بأنه يبدو كأنه اختراق، فيما قالت الشريكة المؤسسة يي هي إن المنصة ستتحمل خسائر الاختراق، من دون تقديم تفاصيل نهائية عن آلية الهجوم أو حجمه.

لكن التحقيقات التقنية المستقلة قدمت مؤشرات أكثر تفصيلاً. فقد أشار موقع «كوين ديسك» المتخصص في العملات المشفرة، استناداً إلى بيانات الاحتياطيات المنشورة من باينانس وتحليل التحويلات على شبكة إيثيريوم، إلى أن محافظ ساخنة تابعة للمنصة تعرضت للاستنزاف.

وبحسب تحليل الموقع، استُخدمت خاصية تقنية في شبكة إيثيريوم تُعرف باسم EIP-7702، تسمح للمحفظة بمنح صلاحيات تنفيذية لبرمجيات أخرى. وتشير البيانات التي راجعها الموقع إلى أن المهاجم استغل هذه الآلية لتحويل الأموال الواردة إلى المحفظة نحو عناوين أخرى.

ومع ذلك، لم تعلن باينانس تأكيداً نهائياً لهذه الرواية التقنية، كما لم تُحسم هوية الجهة المسؤولة عن الهجوم أو جميع تفاصيله.

لماذا جرى تجميد مليارات الدولارات؟

أحد أبرز جوانب الأزمة كان سرعة تحرك شركات أخرى داخل صناعة العملات المشفرة لوقف انتقال الأموال المرتبطة بالحادث.

وأفادت رويترز بأن شركة «تيثر» جمّدت نحو 1.57 مليار دولار من الأصول المرتبطة بالحادث، فيما جمّدت شركة «سيركل» أكثر من 800 مليون دولار، إضافة إلى نحو 200 مليون دولار قالت باينانس إن شركة «ريبل» جمّدتها.

كما أعلنت شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» المساهمة في تجميد أصول إضافية بالتعاون مع شركة «بيتغو».

وبذلك تجاوزت قيمة الأصول التي جرى تجميدها 2.5 مليار دولار، فيما أعلنت باينانس أن إجمالي الأصول المجمدة بلغ نحو 3 مليارات دولار، مع احتمال ارتفاع الرقم نتيجة استمرار عمليات التتبع.

لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين الأموال المجمدة والأموال المسروقة: فتجميد الأصول لا يعني بالضرورة استعادتها أو إثبات ملكيتها النهائية، كما أن إجمالي الأموال التي جرى تجميدها لا يمثل بالضرورة حجم الخسائر الفعلية.

وتكشف هذه الاستجابة عن مفارقة مهمة في عالم العملات المشفرة. فالمعاملات على شبكات البلوك تشين لا يمكن عادة إلغاؤها بمجرد تنفيذها، لكن الشركات التي تصدر العملات المستقرة، مثل «تيثر» و«سيركل»، تمتلك أدوات تقنية تسمح لها بتجميد وحدات معينة من عملاتها، وفق صلاحياتها وإجراءاتها.

وهذا يعني أن النظام الذي يقوم على اللامركزية لا يعمل بمعزل كامل عن المؤسسات والشركات المركزية.

هل أموال المستخدمين آمنة فعلاً؟

أكدت باينانس أن أرصدة المستخدمين آمنة، وأنها ستغطي خسائر الاختراق، كما أشار تشاو إلى توقعه تعويض المستخدمين بالكامل.

لكن تقريراً نشره «كوين ديسك» أثار تساؤلات إضافية بشأن الاحتياطيات التي تدعم أرصدة العملاء.

فبحسب مراجعة الموقع لبيانات باينانس المنشورة في الأول من أكتوبر، كانت إحدى المحافظ التي ظهرت في تحليل الهجوم ضمن المحافظ المستخدمة لإثبات تغطية أرصدة العملاء. وقدّر التقرير أن خسارة نحو 204 آلاف وحدة من إيثيريوم قد تخفض تغطية أرصدة هذه العملة من 100% إلى نحو 94%، إذا لم تعوّض المنصة الأصول المفقودة.

وهذه قراءة تحليلية لبيانات الاحتياطيات وليست إعلاناً من باينانس عن عجز في الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء.

وتملك المنصة صندوقاً احتياطياً للطوارئ يعرف باسم «SAFU»، تقدر قيمة أصوله بنحو مليار دولار من البيتكوين، ويمكن استخدامه للمساهمة في تغطية الخسائر، وفق «كوين ديسك».

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن إثبات الاحتياطيات لا يقتصر على نشر أرصدة المحافظ، بل يتطلب أيضاً التأكد من أن الأصول المتاحة تغطي الالتزامات المستحقة للعملاء بعد أي حادث أمني كبير.

الأسواق تتفاعل.. والبيتكوين تحت الضغط

لم تتأخر انعكاسات الأزمة على الأسواق. فقد ذكرت رويترز أن البيتكوين تراجع إلى نحو 77,646 دولاراً، وهو أدنى مستوى له في ستة أسابيع، فيما هبطت إيثيريوم إلى نحو 2,238 دولاراً، وهو أدنى مستوى في شهرين، وتراجع رمز باينانس «BNB» بأكثر من 8% خلال 24 ساعة.

كما امتدت الضغوط إلى أسهم شركات مرتبطة بالقطاع، بينها «كوين بيس» و«ستراتيجي».

وتعكس هذه التحركات حساسية سوق العملات المشفرة للأخبار المتعلقة بأمن المنصات الكبرى، إذ لا تقتصر المخاطر على الأصول الموجودة داخل المنصة المتضررة، بل يمكن أن تمتد إلى ثقة المستثمرين في القطاع بأكمله.

ومع ذلك، فإن تراجع الأسعار عقب الحادث لا يعني بالضرورة انهياراً هيكلياً في سوق العملات الرقمية، لكنه يوضح مدى الترابط بين أداء السوق وثقة المتعاملين في البنية التحتية التي تدير تداولاتهم.

هل يشكل الحادث نهاية للعملات الرقمية؟

الإجابة الأقرب إلى الوقائع الحالية هي: لا، لكنه قد يشكل نقطة تحول في طريقة تعامل المستثمرين والجهات التنظيمية مع منصات تداول العملات المشفرة.

فالعملات الرقمية ليست هي منصات التداول. البيتكوين، على سبيل المثال، شبكة مستقلة لا تتوقف عن العمل بسبب تعرض شركة تدير منصة مركزية لهجوم إلكتروني. كما أن تقنية البلوك تشين تظل قادرة على معالجة المعاملات والتحقق منها حتى إذا واجهت إحدى منصات التداول أزمة تشغيلية.

لكن المشكلة تكمن في أن غالبية المستخدمين لا يتعاملون مباشرة مع الشبكات اللامركزية، بل يعتمدون على منصات مركزية لحفظ أصولهم وشراء العملات وبيعها وتحويلها. وهنا تظهر نقطة الضعف: قد تكون الشبكة نفسها مستقرة تقنياً، بينما تكون الجهة التي تحتفظ بمفاتيح الوصول إلى أموال العملاء عرضة للاختراق أو سوء الإدارة أو نقص السيولة.

وقد سبق أن شهد القطاع أزمات كبرى، من انهيار منصة «إف تي إكس» عام 2022 إلى سرقة نحو 1.5 مليار دولار من منصة «بايبت» عام 2025، وفق تقارير صحفية وتحقيقات أمنية. ولم تؤد تلك الحوادث إلى اختفاء العملات المشفرة، لكنها زادت التدقيق في الحوكمة والاحتياطيات وحماية أصول العملاء.

وتشير الأزمة الحالية أيضاً إلى أن مستقبل القطاع لن يتحدد فقط بارتفاع أسعار البيتكوين أو توسع استخدام العملات المستقرة، بل بقدرة الشركات على إثبات امتلاكها احتياطيات كافية، وحماية المحافظ الرقمية، وتوفير شفافية حقيقية بشأن أموال العملاء.

تكشف قضية باينانس عن تحول في طبيعة المخاطر التي تواجه سوق العملات المشفرة. فالتحدي لم يعد مقتصراً على تقلب الأسعار أو المضاربات، بل أصبح مرتبطاً بمدى موثوقية المؤسسات التي تدير الأصول الرقمية، وقدرتها على حماية الأموال وإثبات وجودها وتغطية الالتزامات عند وقوع الأزمات.

والمفارقة أن تجميد مليارات الدولارات لم يكن نتيجة تدخل مصرف مركزي أو مؤسسة مالية تقليدية، بل جاء من تعاون شركات تصدر عملات رقمية مع جهات إنفاذ القانون ومؤسسات تحليل البلوك تشين. وهو ما يطرح تساؤلات حول الحدود الفعلية للامركزية في سوق تعتمد أجزاء أساسية منها على شركات تملك سلطة التأثير في حركة الأصول.

أما باينانس، التي قالت إنها تمتلك أكثر من 335 مليون مستخدم مسجل حول العالم، فتواجه اختباراً يتجاوز احتواء الحادث وإعادة تشغيل عمليات السحب والإيداع. الاختبار الحقيقي هو إثبات أن أرصدة العملاء مدعومة بأصول فعلية، وأن المنصة قادرة على استعادة الثقة بعد أزمة بهذا الحجم.

الخلاصة: لا يبدو أن حادث باينانس يمثل نهاية العملات الرقمية، لكنه يضع نموذج عمل منصات التداول المركزية أمام اختبار صعب. فمستقبل الصناعة لن يعتمد فقط على الوعود بالتعويض أو تجميد الأموال بعد الاختراق، بل على بناء منظومة تجعل حماية الأصول والشفافية والمساءلة جزءاً من بنيتها الأساسية، لا إجراءات تُستدعى بعد وقوع الأزمة.

"
“لم يكن تعليق عمليات السحب والإيداع في منصة «باينانس» مجرد إجراء أمني اعتيادي، بل كشف عن هشاشة محتملة في البنية التي يعتمد عليها جزء كبير من سوق العملات المشفرة، بعدما واجهت أكبر منصة لتداول الأصول الرقمية تقارير عن حادث أمني قد يكون من أضخم عمليات الاختراق في تاريخ الصناعة. وبينما أعلنت باينانس تجميد أصول رقمية”
— اليوم ميديا / اقتصاد

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في اقتصاد ←
باينانس تعلّق السحب والإيداع وسط مخاوف من اختراق

باينانس تعلّق السحب والإيداع وسط مخاوف من اختراق

علّقت منصة «باينانس»، أكبر منصات تداول العملات المشفرة في العالم، عمليات الإيداع والسحب مؤقتاً، بعدما أعلنت تعرضها لمشكلة أمنية محتملة، فيما جرى تجميد أصول رقمية مرتبطة بالحادث بقيمة مؤكدة بلغت 2.54 مليار دولار، وفق أحدث الأرقام التي أوردتها رويترز الخميس. وقالت باينانس إنها تجري فحوصاً أمنية وتعمل مع جهات إنفاذ القانون وشركات متخصصة في تحليل

لندن - اليوم ميديا
الجمعة، ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
ذهب إلى المكسيك ليقود سيارات لا يستطيع الأميركيون شراءها

ذهب إلى المكسيك ليقود سيارات لا يستطيع الأميركيون شراءها

تكشف الطفرة التي تحققها السيارات الكهربائية الصينية في المكسيك عن تحول متسارع في صناعة السيارات العالمية، مع دخول مركبات تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والأسعار المنخفضة إلى أسواق كانت تهيمن عليها العلامات الأميركية والأوروبية واليابانية، في وقت تحدّ فيه الحواجز التجارية والتقنية من وصول السيارات الصينية إلى المستهلكين في الولايات المتحدة. وفي تقرير نشرته صحيفة «واشنطن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أنثروبيك تقترب من الطرح العام وسط ارتفاع التكاليف

أنثروبيك تقترب من الطرح العام وسط ارتفاع التكاليف

خطت شركة «أنثروبيك» الأميركية، المطوّرة لنموذج الذكاء الاصطناعي «كلود»، خطوة مهمة نحو الإدراج في سوق الأسهم الأميركية، بعدما كشفت عن مستندات طرحها العام الأولي، مقدّمةً للمستثمرين صورة عن نمو سريع في الإيرادات، يقابله إنفاق ضخم على الحوسبة والبنية التحتية والتطوير. وتضع هذه الخطوة الشركة أمام اختبار يتجاوز قدرتها على جذب العملاء وتوسيع استخدام نماذجها؛ إذ

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
النفط يتراجع بأكثر من دولارين مع آمال تهدئة الحرب على إيران

النفط يتراجع بأكثر من دولارين مع آمال تهدئة الحرب على إيران

تراجعت أسعار النفط بأكثر من دولارين للبرميل في تعاملات الاثنين، بعد ارتفاعها إلى مستويات قريبة من أعلى مستوياتها في ستة أشهر الأسبوع الماضي، مع تنامي الآمال بإمكان خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة قطرية، رغم استمرار المخاطر على إمدادات الطاقة. أفادت رويترز بأن العقود الآجلة لخام برنت انخفضت 2.21 دولار، بما يعادل 1.89 في

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة