الرئيسية/اقتصاد/ذهب إلى المكسيك ليقود سيارات لا يستطيع الأميركيون شراءها
اقتصاد

ذهب إلى المكسيك ليقود سيارات لا يستطيع الأميركيون شراءها

تكشف الطفرة التي تحققها السيارات الكهربائية الصينية في المكسيك عن تحول متسارع في صناعة السيارات العالمية، مع دخول مركبات تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والأسعار المنخفضة إلى أسواق كانت تهيمن عليها العلامات الأميركية والأوروبية واليابانية.

**سيارات صينية لا يستطيع الأميركيون شراءها**

تكشف الطفرة التي تحققها السيارات الكهربائية الصينية في المكسيك عن تحول متسارع في صناعة السيارات العالمية، مع دخول مركبات تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والأسعار المنخفضة إلى أسواق كانت تهيمن عليها العلامات الأميركية والأوروبية واليابانية، في وقت تحدّ فيه الحواجز التجارية والتقنية من وصول السيارات الصينية إلى المستهلكين في الولايات المتحدة.

وفي تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، الثلاثاء 27 أكتوبر، استعرض الكاتب مايكل جيه. كورين تجربته في قيادة سيارات كهربائية صينية في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، مشيراً إلى الفارق في الأسعار والتجهيزات التقنية بين الطرازات التي اختبرها والسيارات المنافسة المتاحة في الأسواق الغربية.

ويقول التقرير إن المكسيك تحولت إلى نافذة تكشف ما يمكن أن تقدمه صناعة السيارات الصينية، من بطاريات قوية وشحن سريع وبرمجيات متطورة وتجهيزات داخلية متقدمة، بأسعار تقل أحياناً كثيراً عن أسعار السيارات الغربية المماثلة.

ولا تقتصر أهمية هذا التحول على انتشار السيارات الكهربائية، بل تمتد إلى مستقبل المنافسة الصناعية، وقدرة الشركات الأميركية على الحفاظ على حصتها السوقية في ظل صعود منافس يمتلك قاعدة إنتاجية كبيرة ويستهدف شرائح واسعة من المستهلكين.

المكسيك.. بوابة التوسع الصيني

بحسب الأرقام التي أوردتها «واشنطن بوست»، ارتفعت حصة العلامات التجارية الصينية من سوق السيارات المكسيكية من أقل من 1% إلى نحو 15% خلال خمس سنوات، فيما تستحوذ هذه العلامات على قرابة 90% من سوق السيارات الكهربائية في البلاد، وفق تقديرات استشهد بها التقرير.

وتتصدر شركة «بي واي دي» الصينية مشهد المنافسة، إذ تشير تقديرات «بلومبرغ إن إي إف» التي نقلها التقرير إلى أنها تبيع نحو سبع سيارات من كل عشر سيارات كهربائية وهجينة قابلة للشحن في المكسيك.

ويعكس هذا التوسع تغيراً في سلوك المشترين، إذ أفادت معارض سيارات زارها الكاتب في مكسيكو سيتي بأن بعض العملاء يستبدلون سيارات اقتصادية وأخرى فاخرة، بما فيها طرازات من نيسان وبي إم دبليو ومرسيدس، بسيارات صينية.

ويعود جانب من هذا الإقبال إلى أن الشركات الصينية لم تعد تعتمد على السعر المنخفض وحده، بل تقدم أيضاً تجهيزات تقنية وميزات للراحة والترفيه كانت تتوفر في بعض السيارات الغربية ضمن فئات سعرية أعلى.

وتشمل هذه التجهيزات أنظمة معلومات وترفيه متطورة، ومقاعد مزودة بخاصية التدليك والتدفئة، وبرمجيات متقدمة، وقدرات تسارع مرتفعة، إلى جانب خصائص للشحن السريع وإدارة البطاريات.

سيارة كهربائية بنحو 21 ألف دولار

تقدم «بي واي دي دولفين ميني» مثالاً واضحاً على استراتيجية الشركات الصينية لاستهداف المشترين الباحثين عن سيارة عملية وبسعر معقول.

ويبلغ السعر الأساسي للسيارة في المكسيك نحو 21,400 دولار، وفق التقرير، وهي مركبة كهربائية صغيرة بخمسة مقاعد تستهدف الاستخدام داخل المدن.

وتتمثل ميزتها الأساسية في الجمع بين السعر المنخفض والتجهيزات الحديثة، في سوق أصبحت فيها السيارات الكهربائية أكثر قدرة على منافسة سيارات البنزين من حيث التكلفة الإجمالية للاستخدام.

وبحسب تقديرات الوكيل التي أوردها الكاتب، تبلغ تكلفة شحن السيارة لمسافة مماثلة نحو 9 دولارات عند الشحن المنزلي، ونحو 18 دولاراً في محطة عامة، مقارنة بأكثر من 30 دولاراً من الوقود لقطع المسافة نفسها بسيارات تعمل بالبنزين، مثل نيسان فيرسا وشفروليه أفيو.

وتظل هذه المقارنة تقديرية، إذ تختلف تكاليف التشغيل بحسب أسعار الكهرباء والوقود، وكفاءة السيارة، وظروف القيادة وأسعار الشحن في كل سوق.

لكن الرسالة الأوسع، وفق التقرير، هي أن السيارات الكهربائية لم تعد بالضرورة منتجات مرتفعة الثمن موجهة إلى المشترين ذوي الدخل المرتفع؛ فظهور طرازات بأسعار تقل عن 25 ألف دولار يوسع قاعدة المستهلكين المحتملين.

وينقل التقرير عن أوجينيو غرانديو، الرئيس السابق للجمعية المكسيكية للتنقل الكهربائي، أن عدد الطرازات الكهربائية التي يقل سعرها عن 25 ألف دولار ارتفع من طراز أو اثنين إلى نحو ستة أو سبعة طرازات.

ويرى غرانديو أن تحسن البنية التحتية للشحن سيعزز انتشار هذه المركبات، مشيراً إلى أنه يعتزم استبدال سيارته «تسلا» بسيارة من علامة «زيكر» الصينية عندما تصبح ظروف الشحن أكثر ملاءمة.

لماذا تواجه أميركا تحدياً متزايداً؟

تواجه شركات السيارات الأميركية معادلة صعبة: حماية السوق المحلية من المنافسة الصينية، مع الحفاظ على قدرتها على بيع سياراتها في أسواق عالمية تتغير فيها تفضيلات المستهلكين بسرعة.

وتحدّ الرسوم الجمركية والحواجز التجارية والقيود التقنية المرتبطة بالبرمجيات من دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى الولايات المتحدة. لكن هذه الإجراءات لا توقف توسع الشركات الصينية في المكسيك وأوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.

وفي الوقت نفسه، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قدرات تنافسية في مجالات من بينها البرمجيات والقيادة الذاتية وكفاءة أنظمة الدفع الكهربائي. ويشير التقرير إلى أن بعض تقنيات «تسلا» لا تزال ضمن الأكثر تقدماً في السوق.

غير أن تقدم الصين في الإنتاج والتكلفة يضع الشركات الغربية أمام تحدٍ يتجاوز الابتكار التقني وحده. فامتلاك تقنية متقدمة لا يضمن الفوز إذا لم تستطع الشركة تحويلها إلى منتج جذاب بسعر يستطيع المستهلك تحمله.

ويشير التقرير إلى أن حصة شركات السيارات الأميركية الثلاث الكبرى، جنرال موتورز وفورد وستيلانتس، تقل عن 40% من السوق الأميركية، بعدما كانت تبلغ نحو 92% عام 1965.

كما يلفت إلى أن تركيز الشركات الأميركية على الشاحنات الكبيرة والسيارات الرياضية متعددة الاستخدامات مرتفعة الربحية قلص الخيارات المتاحة للمشترين الباحثين عن سيارات جديدة منخفضة التكلفة.

ويزيد ذلك صعوبة المنافسة مع المصنعين الصينيين، الذين يستطيعون الاستفادة من حجم الإنتاج وتكامل سلاسل التوريد لتقديم مجموعة متنوعة من السيارات بأسعار أكثر تنافسية.

السيارات الكهربائية تعيد رسم السوق العالمية

يتزامن هذا التحول مع تراجع الحصة النسبية للسيارات التي تعمل بالبنزين وحده في المبيعات العالمية.

وبحسب الأرقام التي استشهد بها التقرير، انخفضت حصة هذه السيارات من 73% عام 2021 إلى 49% من مبيعات السيارات الجديدة خلال النصف الأول من عام 2026، بينما بلغت حصة السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات نحو 17%.

وتشمل بقية السوق سيارات هجينة وهجينة قابلة للشحن، ما يعني أن محركات الاحتراق الداخلي لم تختفِ، لكنها تواجه تحولاً تدريجياً في مزيج المبيعات.

وتستفيد الشركات الصينية من هذا التغير بفضل حضورها القوي في تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية، فضلاً عن قدرتها على تطوير طرازات جديدة وتوسيع نطاق إنتاجها.

وفي المقابل، تواجه الشركات الغربية تحدياً في التوفيق بين حماية أرباحها الحالية والاستثمار في سيارات أقل تكلفة وأكثر قدرة على المنافسة. ويورد التقرير أن شركات صناعة السيارات سجلت شطوبات واستبعادات استثمارية بنحو 52 مليار دولار مرتبطة بمشروعات السيارات الكهربائية، في ظل تغير السياسات والحوافز الأميركية وتراجع بعض خطط التحول الكهربائي.

ولا تعني هذه التطورات أن الشركات الأميركية فقدت قدرتها على المنافسة، لكنها تشير إلى أن الحفاظ على مكانتها يتطلب أكثر من الاعتماد على العلامة التجارية أو الحواجز التجارية.

ما وراء الخبر: المنافسة لم تعد على السيارة وحدها

تكشف تجربة المكسيك أن المعركة في صناعة السيارات انتقلت من مجرد التفوق في التصميم والمحركات إلى منظومة متكاملة تشمل البطاريات والبرمجيات والتصنيع والتكلفة وسرعة طرح الطرازات الجديدة.

فالشركات الصينية لا تنافس فقط على بيع سيارة أرخص، بل تحاول ترسيخ نموذج صناعي يسمح بتوفير تقنيات متقدمة لشرائح أوسع من المشترين.

وفي المقابل، قد تمنح القيود التجارية الأميركية الشركات المحلية وقتاً إضافياً لحماية حصتها السوقية، لكنها لا تعالج تلقائياً مشكلة ارتفاع الأسعار أو محدودية الخيارات الاقتصادية.

وينقل التقرير عن كليفورد وينستون، الاقتصادي في معهد بروكينغز والمتخصص في قطاع النقل، اعتقاده بأن السيارات الصينية، أو التقنيات التي تعتمد عليها، ستصل إلى السوق الأميركية خلال السنوات المقبلة، لأن مركز الابتكار في صناعة السيارات العالمية يتحرك باتجاه الصين.

ويستشهد التقرير أيضاً بمركبات تُصنع في الصين وتحمل علامات تجارية غربية، من بينها «بويك إنفيجن» و«لينكولن نوتيلوس»، إضافة إلى سيارة الأجرة ذاتية القيادة «أوجاي» التابعة لشركة «وايمو». وتوضح هذه الأمثلة أن الروابط الصناعية والتقنية بين الصين والشركات الغربية قائمة بالفعل، حتى مع القيود المفروضة على بعض الواردات.

زاوية اليوم ميديا

تضع المنافسة الصينية صناعة السيارات الأميركية أمام اختبار استراتيجي: هل تستطيع الشركات الحفاظ على أرباحها من السيارات الكبيرة والفاخرة، وفي الوقت نفسه تطوير مركبات كهربائية بأسعار مناسبة للمستهلك العادي؟

فإذا ظلت السيارات الكهربائية المتقدمة بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المشترين، بينما نجح المنافسون الصينيون في تقديم خيارات أرخص وأكثر تنوعاً، فقد تتسع الفجوة بين الولايات المتحدة والأسواق التي تتبنى هذه المركبات بوتيرة أسرع.

ولا يعني ذلك أن تفوق الصين مضمون في جميع المجالات، أو أن المستهلكين سيتخلون سريعاً عن العلامات الغربية؛ فالثقة بالعلامة التجارية وخدمات الصيانة وتوافر قطع الغيار والبنية التحتية للشحن عوامل مؤثرة في قرارات الشراء.

لكن تجربة المكسيك توضح أن حماية السوق من المنافسة لا تغني عن تطوير المنتجات نفسها. فالشركات التي تنجح في الجمع بين السعر والتكنولوجيا والجودة هي الأقدر على التوسع خارج أسواقها المحلية.

الخلاصة

لا تقتصر دلالة السيارات الصينية في المكسيك على زيادة المبيعات، بل تكشف عن إعادة توزيع القوة في صناعة عالمية كانت الولايات المتحدة من أبرز قادتها. والتحدي الأميركي الحقيقي ليس منع المنافس من الوصول إلى السوق فحسب، بل إنتاج سيارات يستطيع المستهلك منافستها سعراً وتقنيةً، قبل أن تتحول الأفضلية الصينية إلى واقع يصعب تغييره.

"
“تكشف الطفرة التي تحققها السيارات الكهربائية الصينية في المكسيك عن تحول متسارع في صناعة السيارات العالمية، مع دخول مركبات تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والأسعار المنخفضة إلى أسواق كانت تهيمن عليها العلامات الأميركية والأوروبية واليابانية، في وقت تحدّ فيه الحواجز التجارية والتقنية من وصول السيارات الصينية إلى المستهلكين في الولايات المتحدة. وفي تقرير نشرته صحيفة «واشنطن”
— اليوم ميديا / اقتصاد

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في اقتصاد ←
أنثروبيك تقترب من الطرح العام وسط ارتفاع التكاليف

أنثروبيك تقترب من الطرح العام وسط ارتفاع التكاليف

خطت شركة «أنثروبيك» الأميركية، المطوّرة لنموذج الذكاء الاصطناعي «كلود»، خطوة مهمة نحو الإدراج في سوق الأسهم الأميركية، بعدما كشفت عن مستندات طرحها العام الأولي، مقدّمةً للمستثمرين صورة عن نمو سريع في الإيرادات، يقابله إنفاق ضخم على الحوسبة والبنية التحتية والتطوير. وتضع هذه الخطوة الشركة أمام اختبار يتجاوز قدرتها على جذب العملاء وتوسيع استخدام نماذجها؛ إذ

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
النفط يتراجع بأكثر من دولارين مع آمال تهدئة الحرب على إيران

النفط يتراجع بأكثر من دولارين مع آمال تهدئة الحرب على إيران

تراجعت أسعار النفط بأكثر من دولارين للبرميل في تعاملات الاثنين، بعد ارتفاعها إلى مستويات قريبة من أعلى مستوياتها في ستة أشهر الأسبوع الماضي، مع تنامي الآمال بإمكان خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة قطرية، رغم استمرار المخاطر على إمدادات الطاقة. أفادت رويترز بأن العقود الآجلة لخام برنت انخفضت 2.21 دولار، بما يعادل 1.89 في

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
هدوء في أسواق العملات قبل أسبوع حاسم لقرارات الفائدة

هدوء في أسواق العملات قبل أسبوع حاسم لقرارات الفائدة

تحركت العملات الرئيسية في نطاقات ضيقة، الاثنين، مع ترقب المستثمرين أسبوعاً حافلاً بقرارات البنوك المركزية ونتائج شركات التكنولوجيا الكبرى، فيما ضغط تراجع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأميركية على الدولار، وسط استمرار المخاوف بشأن التضخم وتقلبات الأسواق العالمية. وبحسب وكالة رويترز، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 2% إلى 114.50 دولار للبرميل، بعدما سجلت أعلى

لندن - وكالات
الاثنين، ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الإمارات تعتزم استثمار 15 مليار يورو في اليونان

الإمارات تعتزم استثمار 15 مليار يورو في اليونان

تعتزم الإمارات ضخ استثمارات إضافية بقيمة 15 مليار يورو (نحو 16.81 مليار دولار) في اليونان، في خطوة توسّع إطار التعاون الاقتصادي بين البلدين، وتعزز الشراكة في قطاعات تشمل الطاقة والبنية التحتية والرعاية الصحية. ونقلت وكالة «رويترز»، الخميس، عن مكتب أبوظبي الإعلامي أن الاستثمارات الجديدة ستُضاف إلى مبادرة استثمارية مشتركة بين الإمارات واليونان أُطلقت في مايو

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة