
قد يعيش شخص مصاب بارتفاع ضغط الدم سنوات من دون أن يعرف ذلك، بينما يستمر المرض في التأثير على الأوعية الدموية والقلب من دون أعراض واضحة. هذه ليست مجرد فرضية طبية، بل خلاصة دراسة بريطانية واسعة حللت بيانات نحو 1.4 مليون بالغ في إنجلترا، وكشفت أن 37% منهم يعانون ارتفاع ضغط الدم، لكن 59% من المصابين لم يكونوا يعرفون بإصابتهم.
واللافت أن المشكلة لا تنتهي عند الأشخاص الذين لم يُشخّصوا أصلًا. فبين المشاركين الذين كانوا يتناولون دواءً واحدًا أو أكثر لخفض ضغط الدم، ظل الضغط مرتفعًا لدى نحو نصفهم، وفق الدراسة المنشورة في مجلة BMJ Public Health. وهنا تظهر المفارقة: بعض الناس لا يعرفون أنهم مصابون، وبعض من يعرفون ويتلقون العلاج لا يصل ضغطهم إلى المستوى المطلوب.
مرض يتقدم من دون أن يطرق الباب
ارتفاع ضغط الدم من الحالات التي يمكن أن تتطور من دون أعراض واضحة، ولذلك قد لا يشعر الشخص بحاجة إلى قياس ضغطه أو مراجعة الطبيب. وفي الدراسة، عرّف الباحثون ارتفاع الضغط وفق معايير منظمة الصحة العالمية، باعتباره ضغطًا انقباضيًا يبلغ 140 ملم زئبق أو أكثر، أو ضغطًا انبساطيًا يبلغ 90 ملم زئبق أو أكثر، أو استخدام أدوية خافضة للضغط. وبناء على ذلك، بلغت نسبة الإصابة 37% بين المشاركين.
لكن الأرقام تكشف أيضًا أن ارتفاع الضغط ليس مشكلة تخص كبار السن وحدهم. فقد بلغت نسبة الإصابة نحو 15% بين المشاركين الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و39 عامًا، ثم ارتفعت تدريجيًا مع العمر، لتصل إلى نحو 71% بين من تبلغ أعمارهم 80 عامًا فأكثر. كما كان ارتفاع الضغط أكثر شيوعًا لدى الرجال، إذ بلغت النسبة 42% مقارنة بـ29% لدى النساء بعد ضبط النتائج بحسب العمر.
وهنا تكمن أهمية الرقم الأكثر إثارة في الدراسة: 59% من المصابين لم يكونوا مشخصين، أي إنهم لم يكونوا يعرفون أن لديهم ارتفاعًا في ضغط الدم ولم يكونوا يتناولون أدوية خافضة للضغط. والمشكلة في هذه الحالة ليست مجرد رقم إحصائي، بل أن الشخص قد يواصل حياته بصورة طبيعية لأنه لا يشعر بشيء غير معتاد، في حين أن المرض نفسه قد يستمر من دون إنذار واضح.
ويرتبط ارتفاع ضغط الدم بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية ومضاعفات أخرى، ولذلك فإن اكتشافه والسيطرة عليه يمثلان جزءًا أساسيًا من الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية. وتشير مؤسسة القلب البريطانية إلى أن ارتفاع الضغط من أبرز عوامل الخطر القابلة للتعديل المرتبطة بهذه الأمراض.
المفاجأة الثانية: العلاج لا يعني دائمًا السيطرة
إذا كان الرقم 59% يكشف حجم المشكلة قبل التشخيص، فإن الرقم الآخر في الدراسة يفتح بابًا أكثر تعقيدًا: نحو نصف المشاركين الذين كانوا يتناولون أدوية خافضة لضغط الدم ظل لديهم ضغط يبلغ 140/90 أو أكثر.
ولا يعني ذلك أن أدوية ضغط الدم غير فعالة، بل يشير إلى أن الوصول إلى العلاج لا يساوي بالضرورة الوصول إلى ضغط مسيطر عليه. فقد يحتاج بعض المرضى إلى متابعة منتظمة أو تعديل العلاج أو الجمع بين أكثر من دواء، إلى جانب تغييرات في نمط الحياة، بحسب حالتهم الصحية وتقييم الطبيب.
ويعتقد الباحثون أن هناك فجوة في سلسلة التعامل مع ارتفاع ضغط الدم تبدأ من اكتشاف الحالة وتمتد إلى تشخيصها وعلاجها ثم الوصول إلى السيطرة المطلوبة عليها. وقالت وينيو ليو، الإحصائية الطبية في قسم صحة السكان بجامعة أكسفورد والباحثة الرئيسية في الدراسة، إن النتائج تشير إلى الحاجة إلى نهج أكثر استباقية لاكتشاف الحالات، إلى جانب استراتيجيات للوقاية وعلاج الأشخاص الأكثر عرضة للخطر.
والسؤال هنا ليس لماذا يفشل العلاج، بل لماذا يصل بعض المرضى إلى مرحلة العلاج أصلًا بعد أن تكون الحالة قد بقيت دون اكتشاف لفترة طويلة؟ فكلما كان المرض بلا أعراض واضحة، أصبح الاعتماد على الشعور الشخصي أقل فائدة، وأصبح القياس والفحص المنتظم أكثر أهمية في اكتشافه.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل الدراسة مهمة خارج بريطانيا أيضًا. فارتفاع ضغط الدم ليس مشكلة محلية، بل حالة صحية واسعة الانتشار، فيما قد تختلف نسب التشخيص والعلاج والسيطرة عليها من بلد إلى آخر. ولذلك لا يمكن إسقاط الأرقام البريطانية حرفيًا على المجتمعات العربية، لكن الرسالة الصحية الأساسية تظل واضحة: عدم وجود أعراض لا يعني بالضرورة أن ضغط الدم طبيعي.
ما وراء الخبر.. المشكلة قد تكون في عدم المعرفة
اللافت في دراسة أكسفورد أن السؤال لم يعد فقط: كم شخصًا يعاني ارتفاع ضغط الدم؟ بل أصبح: كم شخصًا يعيش معه من دون أن يعرف؟
اعتمد الباحثون على بيانات برنامج Our Future Health بين عامي 2022 و2025، ما أتاح لهم بناء صورة واسعة عن انتشار ارتفاع ضغط الدم ومدى تشخيصه وعلاجه والسيطرة عليه في إنجلترا. والنتيجة تكشف فجوة تبدأ قبل العلاج نفسه: عدد كبير من الأشخاص لا يصلون أصلًا إلى مرحلة معرفة أن لديهم مشكلة تحتاج إلى متابعة.
بالنسبة للقارئ، لا تعني هذه النتائج أن كل صداع أو إرهاق هو علامة على ارتفاع ضغط الدم، ولا أن الشخص يستطيع تشخيص نفسه اعتمادًا على مقال صحفي. لكن الرسالة الأكثر وضوحًا هي أن ارتفاع الضغط قد لا يعطي إنذارًا محسوسًا، ولذلك يبقى قياسه الوسيلة الأساسية لمعرفة ما إذا كان مرتفعًا.
كما أن الوقاية لا تتوقف عند القياس؛ فالنشاط البدني، والنظام الغذائي المتوازن، وتقليل استهلاك الملح، والحفاظ على وزن صحي، وتجنب التدخين، كلها تدخل عادة ضمن الإجراءات التي تساعد على خفض مخاطر أمراض القلب، بينما يبقى تحديد العلاج أو تعديله قرارًا طبيًا يعتمد على حالة كل شخص.
في النهاية، ربما لا تكون أهم معلومة في الدراسة هي أن 37% من المشاركين لديهم ارتفاع ضغط الدم، بل أن 59% من المصابين لم يكونوا يعرفون ذلك. ففي مرض يمكن أن يتقدم بصمت، قد يكون الفحص البسيط هو الفارق بين مشكلة يمكن اكتشافها مبكرًا ومضاعفات تظهر لاحقًا.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن يتوقف عندها القارئ: أحيانًا لا يكون أخطر ما في المرض هو ما نشعر به، بل ما لا نشعر به أصلًا.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *