الرئيسية/ثقافة ومجتمع/نقص فحوص وأدوية الإيدز يهدد سنوات من التقدم
ثقافة ومجتمع

نقص فحوص وأدوية الإيدز يهدد سنوات من التقدم

ممرضة تُبلغ امرأة بنتيجة فحصها الإيجابية في بابوا غينيا الجديدة
📸ممرضة تُبلغ امرأة بنتيجة فحصها الإيجابية في بابوا غينيا الجديدة
اليوم ميديا

في لحظة يفترض فيها أن يكون الوصول إلى فحص فيروس نقص المناعة البشرية وعلاجه أكثر سهولة من أي وقت مضى، بدأت مشكلة مختلفة تظهر في أماكن الرعاية نفسها: الفحوص تنفد، وأدوية الوقاية تتراجع مخزوناتها، وبعض المستلزمات الأساسية لم تعد تصل بانتظام إلى من يحتاجونها.

هذه الصورة كشفتها نتائج مسح شمل 40 دولة وأجراه الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة (IPPF)، في وقت تتزايد فيه الضغوط على برامج مكافحة فيروس نقص المناعة بسبب تراجع التمويل الدولي. ووفق النتائج التي نشرتها صحيفة الغارديان اليوم الاثنين، قالت 55% من الجهات التي تقدم خدمات مرتبطة بالفيروس إنها نفدت لديها مخزونات من منتج واحد على الأقل خلال الأشهر الاثني عشر الماضية.

لكن الرقم الأكثر دلالة جاء من تفاصيل المخزون نفسها: 40% من الجهات المشاركة قالت إنها نفدت لديها بالكامل إمدادات أحد المنتجات وقت إجراء المسح، بينما أفادت 60% بأن لديها منتجًا واحدًا على الأقل بمستوى منخفض. وهنا تتحول أزمة التمويل من رقم في تقارير المساعدات إلى مشكلة يمكن أن يشعر بها المريض عندما يصل إلى مركز الرعاية ولا يجد ما يحتاج إليه.

عندما يصبح الفحص نفسه نادرًا

كانت فحوص الكشف السريع عن فيروس نقص المناعة الأكثر تأثرًا بين المنتجات التي رصدها المسح. ومن بين الجمعيات الأربعين التي قدمت بياناتها، أبلغت 17 جهة عن انخفاض مخزون هذه الفحوص، فيما قالت خمس جهات إنها لا تملك أي فحوص متاحة أصلًا.

وتعني هذه الأرقام، بحسب الغارديان، أن أكثر من نصف الجهات المشاركة لا تستطيع ضمان استمرار الفحص في نقاط تقديم الرعاية. وفي الوقت نفسه، ظهرت المشكلة في أدوية الوقاية قبل التعرض للفيروس، المعروفة باسم PrEP، إذ أبلغت 12 جمعية عن انخفاض مخزونها أو نفاده، سواء بالنسبة إلى الأدوية الفموية أو القابلة للحقن.

ولم تتوقف اضطرابات الإمدادات عند منطقة بعينها. فقد قالت الجهات المشاركة من العالم العربي وآسيا وأوقيانوسيا وأوروبا والأميركتين والكاريبي إن مستلزمات، بينها الواقيات والعلاجات المضادة للفيروسات، أصبحت غير موثوقة من حيث التوافر.

وتنقل الغارديان عن ملاه تابوت، المستشارة الأولى في المكتب الإقليمي للاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة في أفريقيا، أن هذه النواقص تكشف ما يحدث عندما يصبح التمويل غير مستقر وتصبح أنظمة الإمداد التي تعتمد عليها المجتمعات أكثر هشاشة.

وتضيف الصورة التي اختارتها الغارديان للقصة بُعدًا إنسانيًا مباشرًا؛ إذ تظهر ممرضة في بابوا غينيا الجديدة وهي تبلغ امرأة بأن نتيجة فحص دمها جاءت إيجابية. وبحسب الصحيفة، وجد المسح أن خمس دول لم تكن لديها فحوص يمكن تقديمها لمن يحتاجون إليها.

المفارقة أن البنية الأساسية لمكافحة الفيروس موجودة في كثير من هذه الدول: عيادات، وعاملون صحيون، وشبكات مجتمعية، وخبرة في الوقاية والعلاج. لكن نقص الإمدادات يمكن أن يعطل هذه المنظومة حتى عندما تكون القدرة الطبية موجودة.

التمويل يتراجع والخطر يتسع

وراء نقص الفحوص والأدوية قصة أكبر تتعلق بالمال. فقد تراجعت المساعدات الإنمائية الخارجية عالميًا بنسبة 23% في 2025 مقارنة بالعام السابق، وهو انخفاض وصفته الأمم المتحدة بأنه الأكبر على الإطلاق، فيما تضررت برامج مكافحة فيروس نقص المناعة بشدة من هذه التخفيضات.

وفي أحدث بياناتها، تقول UNAIDS إن نحو 41 مليون شخص كانوا يعيشون مع فيروس نقص المناعة في 2025، مع تسجيل 1.2 مليون إصابة جديدة و570 ألف وفاة مرتبطة بالإيدز. وفي العام نفسه، بلغ التمويل المتاح للاستجابة للإيدز في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 17.6 مليار دولار، أي أقل بنحو 20% من الموارد السنوية التي تقول المنظمة إنها ستكون ضرورية للبقاء على المسار نحو إنهاء الإيدز باعتباره تهديدًا للصحة العامة بحلول 2030.

لكن الصورة لا تعني أن العالم عاد إلى نقطة البداية. فالعقود الماضية حققت تقدمًا كبيرًا في الوقاية والعلاج، وتؤكد UNAIDS أن الإصابات والوفيات المرتبطة بالإيدز وصلت إلى مستويات هي الأدنى منذ أكثر من ثلاثة عقود. المشكلة الآن أن هذا التقدم أصبح أكثر هشاشة أمام اضطراب التمويل.

وكانت UNAIDS قد حذرت في يونيو من أن تراجع التمويل أدى بالفعل إلى اضطرابات في برامج الفحص والوقاية والخدمات المجتمعية، مشيرة إلى انخفاض برامج فحص فيروس نقص المناعة في البيئات الأعلى عبئًا بنسبة 22% بين 2024 و2025، وتراجع استخدام PrEP بنسبة 38% في 62 دولة أبلغت عن بياناتها.

ما وراء الخبر

ما تكشفه هذه القصة ليس مجرد نقص مؤقت في صناديق الأدوية، بل هشاشة سلسلة كاملة تبدأ من الفحص ولا تنتهي بالعلاج.

فالشخص الذي لا يستطيع الوصول إلى الفحص قد لا يعرف إصابته، ومن لا يجد وسيلة الوقاية قد يصبح أكثر عرضة للعدوى، ومن يعتمد على العلاج يحتاج إلى إمداد منتظم حتى لا تنقطع رعايته. وعندما تتزامن هذه المشكلات مع تراجع التمويل، يصبح الخلل في حلقة واحدة قادرًا على التأثير في بقية المنظومة.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر: العالم يمتلك اليوم أدوات علمية أكثر تطورًا لمواجهة فيروس نقص المناعة، بما فيها وسائل وقاية طويلة المفعول، بينما يصبح التحدي في بعض الأماكن هو ضمان وصول هذه الأدوات إلى الناس واستمرار تمويل الخدمات التي تقدمها.

لذلك فإن التحذير الذي خرج من مسح شمل 40 دولة لا يتعلق فقط بما هو موجود على رفوف العيادات اليوم، بل بما إذا كان العالم قادرًا على حماية المكاسب التي احتاج بناؤها إلى عقود. فالمعركة ضد فيروس نقص المناعة لم تنتهِ، والخطر الجديد قد لا يكون غياب العلاج، بل عدم القدرة على إيصاله باستمرار إلى من يحتاج إليه.

"
“في لحظة يفترض فيها أن يكون الوصول إلى فحص فيروس نقص المناعة البشرية وعلاجه أكثر سهولة من أي وقت مضى، بدأت مشكلة مختلفة تظهر في أماكن الرعاية نفسها: الفحوص تنفد، وأدوية الوقاية تتراجع مخزوناتها، وبعض المستلزمات الأساسية لم تعد تصل بانتظام إلى من يحتاجونها. هذه الصورة كشفتها نتائج مسح شمل 40 دولة وأجراه الاتحاد الدولي”
— اليوم ميديا / ثقافة ومجتمع

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رسائل صادمة تعيد فتح قضية اعتداء في جامعة كورنيل

رسائل صادمة تعيد فتح قضية اعتداء في جامعة كورنيل

أعادت رسائل متبادلة بين طلاب في جامعة كورنيل الأميركية قضية اعتداء جنسي مزعوم على طالبة إلى الواجهة، بعدما كشفت دعوى مدنية عن محادثات عبر تطبيق «سناب شات» أثارت تساؤلات بشأن سلوك بعض أعضاء أخوية طلابية وتعاملهم مع الواقعة. وسلطت صحيفة «واشنطن بوست»، في مقال للكاتبة مونيكا هيسه نشرته في 30 سبتمبر/أيلول، الضوء على رسالة وردت

لندن - أنس بن عيسى
السبت، ٣ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الشاشات والأطفال.. ماذا تكشف أكبر مراجعة علمية؟

الشاشات والأطفال.. ماذا تكشف أكبر مراجعة علمية؟

لم تعد الشاشات مجرد وسيلة للترفيه بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين، بل أصبحت جزءًا من الدراسة والتواصل واللعب والحياة اليومية. لكن مراجعة علمية واسعة نشرتها مجلة JAMA Pediatrics تطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل يرتبط ارتفاع استخدام الشاشات بتغيرات في التعلم واللغة والصحة النفسية والسلوك؟ الدراسة، التي نُشرت في 28 سبتمبر، جمعت نتائج مراجعات تحليلية سابقة شملت

لندن – خالد ياسر أحمد
الثلاثاء، ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
«النجم الميت» يكشف سرا على بعد 13 ألف سنة ضوئية

«النجم الميت» يكشف سرا على بعد 13 ألف سنة ضوئية

على بعد نحو 13 ألف سنة ضوئية من الأرض، كشف تلسكوب فضائي عن واحدة من أكثر الظواهر غرابة في الأنظمة النجمية الثنائية: نجم نيوتروني صغير شديد الكثافة يلتقط مواد ساخنة تقذفها نجمة عملاقة، فيتحول هذا التفاعل إلى ومضات قوية من الأشعة السينية يمكن للتلسكوبات رصدها. القصة تدور حول النظام النجمي BP Crucis، الذي يضم النجم

لندن – خالد ياسر أحمد
الأحد، ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
عيون حمراء وثلاث شفاه.. اكتشاف عناكب بحرية غريبة في كندا

عيون حمراء وثلاث شفاه.. اكتشاف عناكب بحرية غريبة في كندا

لم يكن الباحثون يتوقعون أن تقودهم دراسة للعناكب البحرية في مياه كندا إلى كائن بعيون حمراء وأرجل تغطيها أشواك طويلة تشبه الشعر، وفم مثلثي بثلاث شفاه. أما النوع الثاني فكان أكثر غرابة، إذ عثر الباحثون فوق جسمه على طفيليات مجهرية تعيش بدورها في عالم بحري بالغ الصغر. اكتشف فريق بقيادة جامعة كولومبيا البريطانية نوعين جديدين

لندن – خالد ياسر أحمد
السبت، ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة