
تبحث إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنشاء صندوق بقيمة 10 مليارات دولار لإعادة بناء منشآت الطاقة المتضررة في الشرق الأوسط، وتطوير مسارات بديلة لنقل النفط والغاز تقلل اعتماد دول الخليج على مضيق هرمز، في خطوة تكشف عن تفكير أميركي يتجاوز التعامل مع أزمة الملاحة الحالية إلى إعادة بناء جزء من خريطة الطاقة في المنطقة.
وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن واشنطن تقترح ضخ 5 مليارات دولار في الصندوق، مع السعي للحصول على 5 مليارات أخرى من السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان والعراق والأردن. وتقول الصحيفة إن المبادرة المقترحة تحمل اسم «شراكة الثقة والبناء للحلفاء» (PACT)، فيما تتولى مؤسسة تمويل التنمية الأميركية إدارة الصندوق المقترح.
لكن الخطة، حتى الآن، ليست اتفاقًا نهائيًا ولا صندوقًا بدأ العمل به، بل مقترح لا تزال تفاصيله قيد التفاوض، ولم يتضح ما إذا كانت جميع الدول المستهدفة ستشارك فيه.
ما وراء هرمز
أهمية المقترح لا تكمن في قيمة الـ10 مليارات دولار وحدها، وإنما في الهدف الذي تقف خلفه. فواشنطن تريد، وفق «وول ستريت جورنال»، تمويل مشاريع تساعد دول المنطقة على نقل الطاقة عبر طرق بديلة، بحيث لا يؤدي تعطّل مضيق هرمز إلى شل صادرات النفط والغاز الخليجية.
وتأتي الفكرة في وقت كشفت فيه الحرب مع إيران مدى حساسية هذا الممر البحري. فبدل أن يكون هرمز مجرد طريق تجاري بالغ الأهمية، أصبح خلال الأزمة نقطة ضغط يمكن أن تمتد آثارها إلى أسعار الشحن وإمدادات الطاقة والأسواق العالمية. لكن البحث عن طريق بديل ليس مهمة بسيطة.
السعودية تملك بالفعل خط الشرق–الغرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، إلا أن الهجمات التي طالت البنية التحتية ومسارات البحر الأحمر أظهرت أن الابتعاد عن هرمز لا يعني بالضرورة الابتعاد عن المخاطر.
وفي سبتمبر، اضطرت السعودية إلى زيادة صادراتها عبر موانئ الخليج بعد تعرض خط الشرق–الغرب لهجوم، ما أعاد جزءًا أكبر من النفط إلى مسارات تمر عبر هرمز، وفق بيانات نقلتها وكالة رويترز.
وهنا ظهرت مشكلة أخرى: عندما زاد الاعتماد على خليج عُمان، ارتفعت عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، ووصلت هذه العمليات إلى حدود طاقتها الاستيعابية، بينما ارتفعت تكاليف النقل بصورة حادة.
طريق واحد لا يكفي
تكشف هذه التطورات لماذا تنظر واشنطن إلى المسألة باعتبارها مشكلة بنية تحتية وليست مجرد أزمة ملاحة مؤقتة.
فإنشاء خطوط أنابيب جديدة، وتوسيع الموانئ، وزيادة قدرات التخزين والشحن، يمكن أن يمنح دول الخليج خيارات أكثر إذا تعطّل هرمز أو البحر الأحمر أو أحد خطوط التصدير.
وتقول فايننشال تايمز إن التصور الأميركي لا يتوقف عند صندوق الـ10 مليارات دولار، بل يتضمن منصة استثمارية أوسع يمكن أن تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، بمشاركة محتملة لصناديق ثروة سيادية ومستثمرين من القطاع الخاص.
لكن الصحيفة أوضحت أن المشروع لا يزال في مرحلة النقاش، وأن بعض الشركات الاستثمارية التي وردت أسماؤها في الوثائق لم تكن على علم بإدراج أسمائها في المسودة.
وبذلك، لا يتعلق الأمر ببناء «طريق جديد» واحد بعيدًا عن هرمز، بل بمحاولة إنشاء شبكة طرق متعددة تمنح صادرات الخليج قدرة أكبر على الاستمرار إذا تعطّل أحد المسارات.
وهذه النقطة هي الأهم في القصة. فالبديل الحقيقي لهرمز لن يكون خط أنابيب واحدًا، لأن أي بنية منفردة يمكن أن تصبح هي الأخرى نقطة ضعف. المطلوب هو منظومة تستطيع تحويل التدفقات بين أكثر من طريق وميناء وساحل.
اختبار الخليج الجديد
حتى الآن، لا تزال مبادرة واشنطن في مرحلة الاقتراح، كما أن رويترز قالت إنها لم تتمكن بشكل مستقل من التحقق من تفاصيل تقرير «وول ستريت جورنال» عند نشره.
لكن التطورات الميدانية تجعل الفكرة أكثر أهمية. فرويترز أفادت في 25 سبتمبر بأن عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في خليج عُمان وصلت إلى حدودها، مع ارتفاع صادرات السعودية من موانئ الخليج بعد تعطل مسار البحر الأحمر.
وبحسب بيانات «كبلر» التي نقلتها الوكالة، اتجهت صادرات النفط السعودية عبر هرمز إلى نحو 3.6 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، مقارنة بنحو 900 ألف برميل يوميًا في أغسطس.
المفارقة أن السعودية كانت تحاول تقليل اعتمادها على المضيق، لكنها وجدت نفسها تعود إليه عندما تعرضت بعض البدائل للضغط.
وهنا تكمن الرسالة الأوسع التي تكشفها المبادرة الأميركية: الخليج لا يحتاج فقط إلى طرق بعيدة عن هرمز، بل إلى شبكة طاقة تستطيع الصمود عندما تتعرض أكثر من جبهة للاضطراب في الوقت نفسه.
إذا تحولت الخطة الأميركية إلى استثمارات فعلية، فقد تبدأ مرحلة جديدة في بنية الطاقة الخليجية، يكون فيها الهدف ليس إلغاء أهمية هرمز، وإنما تقليل قدرة أي أزمة فيه على تعطيل صادرات المنطقة.
لكن الطريق إلى ذلك طويل ومكلف، كما أن خطوط الأنابيب والموانئ والمنشآت الجديدة ستظل بحاجة إلى حماية أمنية.
لذلك، فإن الـ10 مليارات دولار المقترحة لا تعني أن الخليج وجد بديلًا جاهزًا لمضيق هرمز. إنها، في جوهرها، إشارة إلى أن واشنطن وحلفاءها بدأوا التفكير في السؤال الأصعب: ماذا لو لم يعد بالإمكان ضمان بقاء الطريق القديم مفتوحًا؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *