
تواصل أسعار الغذاء العالمية صعودها، لتصل في سبتمبر إلى أعلى مستوى لها منذ نوفمبر 2022، في وقت تتزايد فيه الضغوط على القطاع الزراعي بفعل اضطرابات الطقس والتجارة وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج.
وأظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» أن مؤشرها لأسعار السلع الغذائية العالمية ارتفع بنسبة 1.5% خلال سبتمبر مقارنة بأغسطس، مدفوعًا بصورة أساسية بارتفاع أسعار الحبوب والسكر.
وتكتسب الزيادة أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت لا تزال فيه الأسواق الزراعية تواجه مخاطر مرتبطة بالطقس المتطرف والتوترات الجيوسياسية واضطراب طرق التجارة، وهي عوامل قد تجعل انتقال ارتفاع أسعار السلع إلى المستهلكين مسألة وقت.
الحبوب تقود موجة الصعود
كان قطاع الحبوب المحرك الرئيسي للارتفاع في سبتمبر، إذ قفزت أسعارها عالميًا بنسبة 5.1% على أساس شهري، فيما ارتفع سعر القمح العالمي بنسبة 6.3%، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ أغسطس 2023، وفق بيانات «فاو» التي أوردتها بلومبرغ.
كما ارتفعت أسعار السكر بنسبة 6.1% خلال الشهر، بينما سجلت أسعار اللحوم ومنتجات الألبان تراجعًا طفيفًا.
ولا تزال قراءة مؤشر «فاو» أدنى بكثير من الذروة التاريخية التي سجلها في مارس 2022، لكنها أصبحت أعلى بنسبة 5.8% مقارنة بمستواها قبل عام.
وقال كبير الاقتصاديين في «فاو»، ماكسيمو توريرو، إن هناك تراكمًا «مستمرًا ومتزايد الاتساع» في أسعار السلع الزراعية، محذرًا من أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي قريبًا إلى انتقالها إلى أسعار الغذاء التي يدفعها المستهلكون.
الطقس والبحر الأسود يضغطان على الغذاء
وراء الأرقام قصة أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع الطلب. فبحسب بلومبرغ، تعرض المزارعون خلال العام لضغوط متزامنة بسبب موجات الطقس المتطرف، واضطرابات التجارة، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، بينما تدخل محاصيل رئيسية مراحل الحصاد والزراعة الجديدة في مناطق مختلفة من العالم.
وتزداد المخاطر بالنسبة لسوق الحبوب مع استمرار التوترات في منطقة البحر الأسود، التي تضم بعض أكبر القوى الزراعية في العالم، وعلى رأسها روسيا وأوكرانيا.
وترى بلومبرغ أن التوترات المتجددة في المنطقة تجعل نقل الشحنات الزراعية أكثر صعوبة وكلفة، وهو ما قد ينعكس على توازن تجارة الغذاء العالمية، خصوصًا مع ضعف المحاصيل في أجزاء من أوروبا.
ولا تتوقف المخاطر عند البحر الأسود؛ إذ لا تزال آفاق التجارة الزراعية بين الولايات المتحدة والصين غير واضحة، رغم خطط بكين لخفض بعض الرسوم الجمركية، في ظل عدم وجود مؤشرات مؤكدة حتى الآن على أن ذلك سيؤدي إلى زيادة كبيرة في مشتريات الحبوب الأميركية.
مؤشر آخر يؤكد الإنذار
التحذير لا يأتي من مؤشر «فاو» وحده.
وأشارت بلومبرغ إلى أن مؤشر بلومبرغ الزراعي الفوري، الذي يتتبع عشرة منتجات زراعية رئيسية من بينها القمح والبن، سجل خلال الربع الأخير أكبر مكاسب فصلية له منذ عام 2022.
وارتفعت أسعار الذرة والقمح في بورصة شيكاغو بنحو 15% لكل منهما، بينما زادت أسعار فول الصويا بنحو 13%، وفق البيانات التي أوردتها الوكالة.
وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، لأن تكاليف الوقود والنقل والأسمدة تمثل جزءًا مهمًا من تكلفة إنتاج ونقل الغذاء.
ما وراء الخبر.. هل تعود أزمة الغذاء؟
المؤشرات الحالية لا تعني أن العالم يتجه تلقائيًا إلى أزمة غذاء شبيهة بتلك التي شهدتها الأسواق في 2022، كما أن مؤشر «فاو» لا يعكس مباشرة الأسعار التي يواجهها المستهلك في المتاجر.
لكن الفارق الزمني بين ارتفاع أسعار السلع الزراعية ووصول تأثيرها إلى المستهلك يجعل التطورات الحالية مهمة للغاية.
فالمؤشر يقيس أساسًا السلع المتداولة دوليًا، ما يعني أن انتقال الزيادة إلى أسعار المواد الغذائية النهائية قد يستغرق وقتًا، بحسب بلومبرغ.
المشكلة أن عدة عوامل تتحرك في الاتجاه نفسه: طقس أكثر تطرفًا، اضطرابات في طرق التجارة، ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومخاطر جيوسياسية تضغط على مناطق رئيسية لإنتاج الحبوب.
وإذا استمرت هذه الضغوط، فقد تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة أكثر صعوبة: أسعار غذاء أعلى يمكن أن تعيد إشعال التضخم، في وقت تحاول فيه الاقتصادات العالمية تجنب إطالة فترة الفائدة المرتفعة.
وهنا تكمن أهمية الأرقام الجديدة: المعركة المقبلة على التضخم قد لا تبدأ من أسعار النفط وحدها، بل من القمح والسكر والذرة أيضًا.
وتبقى المسألة الأساسية خلال الأشهر المقبلة هي ما إذا كان ارتفاع أسعار السلع الزراعية الحالي مجرد موجة مؤقتة، أم بداية دورة جديدة من تضخم الغذاء العالمي.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *