
لم تعد العقوبات على إيران تعني بالضرورة توقف تدفق عائدات النفط. خلال السنوات الأخيرة، تطورت حول صادرات الخام الإيراني منظومة معقدة تفصل بين ثلاثة مسارات: النفط الذي يغادر إيران، والمال الذي يدفع ثمنه، والقيمة التي تعود إلى طهران.
الصين تقع في قلب هذه المنظومة. فقد اشترت، وفق بيانات شركة Kpler التي أوردتها رويترز، نحو 1.38 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني في 2025، أي أكثر من 80% من صادرات إيران النفطية، فيما كان الجزء الأكبر من المشترين من المصافي المستقلة المعروفة باسم «تي بوت» في مقاطعة شاندونغ. وتحصل هذه المصافي على الخام الإيراني بخصومات كبيرة تعوضها جزئيًا عن مخاطر التعامل مع النفط الخاضع للعقوبات.
هذه التجارة لا تمر عادة بالطريقة التقليدية التي تبدأ بشحنة إيرانية وتنتهي بتحويل مصرفي مباشر إلى بنك إيراني. فبحسب لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية–الصينية، تظهر في سلسلة التوريد شركات واجهة، ووثائق منشأ مضللة، وناقلات تخضع لتغيير الملكية أو الهوية، إلى جانب عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في البحر، بما يصعّب تحديد المصدر الحقيقي للشحنة.
النفط يختفي قبل أن يصل إلى الصين
إحدى أهم حلقات المنظومة هي إخفاء منشأ الخام. تظهر بيانات الجمارك الصينية الرسمية عدم تسجيل واردات مباشرة من إيران منذ 2022، بينما تشير بيانات تتبع الناقلات إلى استمرار تدفقات كبيرة من الخام الإيراني إلى الصين. وتقول لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية–الصينية إن مسارات الشحن تمر عبر مراكز إعادة تصدير مثل ماليزيا وعُمان والإمارات، فيما تستخدم بعض الصفقات وثائق منشأ لا تعكس المصدر الحقيقي للنفط.
وتوفر عمليات النقل من سفينة إلى أخرى طبقة إضافية من التعقيد؛ إذ يمكن نقل الشحنة أكثر من مرة قبل وصولها إلى المشتري النهائي. والنتيجة هي أن العقوبات لا تواجه بالضرورة شحنة إيرانية واضحة تحمل اسم إيران على وثائقها، بل سلسلة من المعاملات التجارية والشحنية التي يتعين إعادة تركيبها للوصول إلى المصدر الأصلي.
لكن المشكلة الأصعب ليست بيع النفط.. بل تحصيل قيمته
هنا تظهر أهمية الجانب المالي. فإيران لا تحتاج في كل صفقة إلى أن يصل ثمن النفط إلى حساب مصرفي إيراني تقليدي. إحدى الآليات التي كشفت عنها صحيفة وول ستريت جورنال تقوم على نموذج أشبه بالمقايضة: يُباع النفط إلى مشترين صينيين، ثم تُستخدم القيمة المتولدة عن الصفقة لتمويل أعمال تنفذها شركات صينية داخل إيران.
وبحسب مسؤولين غربيين نقلت عنهم الصحيفة، مرّ ما يصل إلى 8.4 مليارات دولار خلال 2024 عبر آلية مالية مرتبطة بهذه الصفقات، عُرفت باسم «تشوشين» (Chuxin)، مع مشاركة شركة التأمين الصينية الحكومية Sinosure في المنظومة.
بهذه الطريقة لا تكون التسوية بالضرورة تحويلًا ماليًا مباشرًا من شركة صينية إلى بنك إيراني؛ بل يمكن أن تتحول قيمة النفط إلى مشروعات وبضائع وخدمات صينية داخل إيران.
وهذه نقطة مهمة في فهم اقتصاد العقوبات: الأموال لا تختفي، وإنما يتغير شكلها ومكان تسويتها.
هونغ كونغ.. طبقة أخرى بين النفط والمال
تكشف بيانات شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية (FinCEN) عن طبقة أكثر اتساعًا من النظام المالي الموازي.
ففي تحليل للمعاملات خلال 2024، قالت FinCEN إن شركات واجهة يُعتقد بارتباطها بشبكات إيرانية تعاملت بنحو 5 مليارات دولار، وإن نحو 89% من الأموال التي أرسلتها هذه الشركات جاءت من حسابات صينية لغير المقيمين تديرها كيانات مسجلة في هونغ كونغ. كما حددت الهيئة شركات نفط مرتبطة بإيران، معظمها في الإمارات وسنغافورة، تعاملت بنحو 4 مليارات دولار.
هذه الأرقام لا تعني أن كل هذه الأموال تمثل عائدات نفط إيراني، لكنها تكشف حجم البنية المالية التي يمكن أن تعمل حول التجارة الإيرانية الخاضعة للعقوبات.
وهنا تكمن أهمية الشركات الوسيطة: فهي تفصل بين البائع الإيراني والمشتري النهائي والحساب المصرفي الذي تظهر فيه الأموال، ما يجعل تتبع المستفيد الحقيقي أكثر تعقيدًا.
الإمارات وسنغافورة في قلب شبكة التجارة
تظهر الإمارات وسنغافورة أيضًا في بيانات FinCEN بوصفهما مركزين لشركات مرتبطة بتجارة النفط الإيرانية. وتقول الهيئة إن شركات نفط يُشتبه في كونها واجهات إيرانية، ومتمركزة بصورة رئيسية في الإمارات وسنغافورة، تعاملت بنحو 4 مليارات دولار خلال 2024.
وهذا لا يعني أن النظام المالي الإماراتي أو السنغافوري بأكمله جزء من هذه الشبكات، ولا أن كل شركة تعمل في تجارة إيران متورطة في مخالفة العقوبات. بل يشير إلى استخدام شركات وكيانات تجارية في هذه المراكز ضمن شبكات مالية وتجارية تحاول إخفاء الأطراف المستفيدة أو طبيعة المعاملات.
تركيا والذهب.. نموذج قديم يعود إلى الواجهة
وفي سبتمبر 2026، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على بنك الاستثمار التركي Golden Global Yatırım Bankası وشركتين تابعتين له، متهمة البنك بتسهيل معاملات مرتبطة بفيلق القدس وبتمكين شبكة مالية إيرانية من نقل عائدات النفط من الصين إلى تركيا باستخدام النقد والذهب.
البنك نفى الاتهامات، لكن القضية أعادت إلى الواجهة نموذجًا استخدمته إيران وتركيا خلال سنوات العقوبات السابقة، عندما أصبح الذهب وسيلة لتحويل قيمة التجارة الإيرانية إلى أصول يمكن نقلها خارج النظام المصرفي التقليدي.
وتُظهر بيانات تاريخية أن صادرات الذهب التركية إلى إيران ارتفعت بشدة خلال 2012، في ذروة الضغوط المالية على طهران؛ وتشير مصادر أكاديمية إلى وصولها إلى نحو 125.8 طنًا في ذلك العام.
لكن المسار الحالي مختلف جزئيًا؛ فالعقوبات الأميركية تستهدف الآن شبكات أكثر تعقيدًا تربط النفط بالتجارة والذهب والحسابات الخارجية وشركات الواجهة.
العقوبات تغيّر شكل التجارة أكثر مما تلغيها
تكشف التجربة الإيرانية أن العقوبات المالية لا تعمل في فراغ. فعندما يصبح التحويل البنكي المباشر مكلفًا أو مستحيلًا، تظهر بدائل: الخصم على سعر النفط، شركات الواجهة، إعادة تصنيف المنشأ، النقل من سفينة إلى أخرى، المقايضة، تمويل المشروعات، والحسابات العابرة للحدود.
وتؤكد دراسة مشروع «إيران 2040» في جامعة ستانفورد أن إيران طورت قدرة ملحوظة على الحفاظ على صادراتها رغم العقوبات، وتشير إلى تنامي استخدام المقايضة؛ إذ قدرت الدراسة أن النفط مقابل السلع والخدمات والتكنولوجيا شكل 32% من صادرات النفط في موازنة 2025–2026، مع توقع ارتفاع النسبة إلى 41% في موازنة 2026–2027.
لكن هذه المنظومة ليست بلا تكلفة.
فالنفط الإيراني يباع بخصومات، والشحن أكثر تعقيدًا، والتأمين أكثر مخاطرة، والوسطاء يحصلون على هوامش إضافية، فيما تواجه المصافي والمصارف والشركات المشاركة خطر العقوبات الأميركية.
وهذا يعني أن إيران تستطيع تحويل النفط إلى قيمة، لكنها لا تفعل ذلك بالسعر والكفاءة نفسيهما اللذين تتمتع بهما تجارة النفط العادية.
السؤال المقبل: هل تستطيع واشنطن إغلاق الحلقة؟
تطور العقوبات الأميركية في 2026 يكشف تحولًا في التركيز من استهداف البائع الإيراني وحده إلى ملاحقة السلسلة بأكملها: المصافي الصينية، شركات الشحن، الوسطاء، شركات الواجهة، البنوك ومراكز التسوية.
لكن اتساع الشبكة يجعل إغلاقها بالكامل أكثر صعوبة. فحتى إذا أُغلقت قناة، يمكن نقل النشاط إلى شركة أخرى أو دولة أخرى أو آلية تسوية مختلفة.
والأهم أن الصين تظل الحلقة الأكبر. فإذا استمرت المصافي المستقلة في شاندونغ في شراء الخام الإيراني بأسعار مخفضة، واستمرت قنوات المقايضة والتسوية غير التقليدية، فسيبقى لدى طهران منفذ لتحويل جزء كبير من إنتاجها النفطي إلى قيمة اقتصادية.
المعادلة إذن ليست «هل تستطيع إيران بيع النفط؟» بقدر ما أصبحت: «كم تخسر إيران من قيمة كل برميل حتى يصل ثمنه إليها؟»
وهنا تكمن الكلفة الحقيقية للعقوبات. فهي لم تمنع النفط الإيراني من الوصول إلى السوق، لكنها جعلت الطريق من البئر إلى المال أطول وأكثر غموضًا وأكثر تكلفة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *