
لا يتوقع أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال في العالم استئناف الإمدادات القطرية بصورة قريبة، في ظل استمرار اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما يضع أسواق الطاقة أمام مرحلة ممتدة من شح المعروض واشتداد المنافسة بين أوروبا وآسيا على الشحنات المتاحة، بالتزامن مع اقتراب فصل الشتاء.
ونقلت بلومبرغ عن يوكيو كاني، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «جيرا» اليابانية، قوله إن عودة الغاز الطبيعي المسال القطري إلى الأسواق في المدى القريب غير مرجحة، مشيراً إلى أن الأسعار الفورية للغاز تضاعفت مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وسط تصاعد مخاوف المشترين من صعوبة تأمين الإمدادات خلال الأشهر المقبلة.
وتعكس هذه التوقعات استمرار حالة عدم اليقين في سوق الغاز العالمية، خصوصاً أن قطر كانت قبل اندلاع الحرب أحد أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال في العالم، بإمدادات تمثل نحو خُمس التجارة العالمية لهذا الوقود، ما يجعل تعطل صادراتها عاملاً مؤثراً في توازن العرض والطلب.
مضيق هرمز يعرقل عودة الإمدادات القطرية
تواجه صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية قيوداً مرتبطة باستمرار الاضطرابات الأمنية والملاحية في مضيق هرمز، الذي يشكل ممراً استراتيجياً لصادرات الطاقة من الخليج إلى الأسواق العالمية. ورغم تسجيل ارتفاع في حركة عبور ناقلات الغاز خلال سبتمبر، فإن التدفقات لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الأزمة.
وأفادت بيانات شركة «كيبلر»، وفق ما أوردته بلومبرغ، بأن حركة عبور الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق في سبتمبر سجلت أعلى مستوياتها منذ بدء الحرب، لكنها ظلت أقل بنحو 80% من مستويات فبراير، ما يشير إلى أن التحسن في حركة الملاحة لم يتحول بعد إلى استعادة طبيعية للصادرات.
وفي مؤشر على استمرار اضطراب الإمدادات، مددت قطر الشهر الماضي إخطارات القوة القاهرة المتعلقة بشحنات الغاز إلى عدد من عملائها، بما يشمل عملاء في آسيا حتى نوفمبر، وأوروبا حتى ديسمبر، وفقاً لتقارير إعلامية. وتتيح القوة القاهرة للشركات تعليق التزامات تعاقدية عندما تحول ظروف استثنائية دون تنفيذها.
وكانت رويترز قد أفادت في 28 سبتمبر بأن قطر للطاقة مددت إخطارات القوة القاهرة لبعض العملاء الأوروبيين والآسيويين، مع استمرار تأثير تعطل الشحنات على الأسواق التي تعتمد على الغاز القطري.
أوروبا وآسيا تتنافسان على الشحنات البديلة
يؤدي غياب الإمدادات القطرية إلى زيادة المنافسة بين أوروبا وآسيا، وهما من أكبر مراكز الطلب على الغاز الطبيعي المسال، للحصول على الشحنات المتاحة من الولايات المتحدة وموردين آخرين، في وقت تسعى فيه الدول إلى تأمين احتياجاتها قبل ارتفاع الطلب الموسمي خلال الشتاء.
وتواجه أوروبا تحديات إضافية تتمثل في انخفاض مستويات تخزين الغاز الموسمية، إلى جانب خطط الاتحاد الأوروبي لإنهاء واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي اعتباراً من يناير، الأمر الذي قد يزيد اعتماد بعض الأسواق الأوروبية على الشراء من السوق الفورية.
وقال كاني، وفقاً لبلومبرغ، إن اجتماع هذه العوامل قد يدفع الأسعار الفورية إلى مزيد من الارتفاع، خصوصاً إذا شهدت القارة الأوروبية شتاءً قاسياً يرفع الطلب على الغاز المستخدم في التدفئة وتوليد الكهرباء.
وفي المقابل، تواجه الاقتصادات الآسيوية ضغوطاً متزايدة لتأمين الوقود، مع اضطرار بعض الدول إلى البحث عن بدائل أكثر تكلفة أو تعديل مزيج الطاقة لديها. وأشارت رويترز في تقرير نشرته في الأول من أكتوبر إلى ارتفاع صادرات الغاز الطبيعي المسال الأميركية خلال سبتمبر، مع توجه الحصة الأكبر من الشحنات إلى أوروبا، في ظل المنافسة على الإمدادات العالمية.
أزمة الإمدادات تعيد رسم حسابات أمن الطاقة
لا تقتصر تداعيات تعطل صادرات قطر على ارتفاع الأسعار في الأسواق الفورية، بل تمتد إلى القرارات الاستراتيجية للمشترين وشركات الطاقة، التي باتت تواجه تحدياً في الموازنة بين تأمين الإمدادات بتعاقدات طويلة الأجل والمرونة التي توفرها الأسواق الفورية.
وتشير تحركات كبار المستوردين إلى تنامي الاهتمام بتنويع مصادر الغاز وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للمخاطر. وتعد اليابان من الدول التي تسعى إلى تعزيز مرونة إمداداتها، في وقت تعتمد فيه على الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات توليد الكهرباء والصناعة.
وتكتسب عودة الصادرات القطرية أهمية تتجاوز السوق الآسيوية، نظراً إلى موقع قطر المحوري في تجارة الغاز العالمية، وقدرتها على توفير كميات كبيرة للأسواق الأوروبية والآسيوية. إلا أن استعادة مستويات التصدير السابقة تظل مرتبطة بتطورات الأوضاع الأمنية في مضيق هرمز، واستقرار عمليات الإنتاج والشحن.
وفي ظل استمرار الضبابية، تظل الأسواق أمام احتمال بقاء الأسعار تحت ضغط المنافسة على الإمدادات، بينما يترقب المستوردون تطورات الملاحة ومستويات التخزين والطلب الشتوي، وهي عوامل ستحدد اتجاه سوق الغاز الطبيعي المسال خلال الفترة المقبلة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *