
لم تكن الاتهامات التي أطلقها مسؤولون في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بشأن وجود «سجون سرية» تديرها دولة الإمارات في محافظة حضرموت مجرد خلاف عابر داخل معسكر حلفاء، بل بدت أقرب إلى علامة فارقة تكشف عمق التصدعات داخل التحالف المناهض للحوثيين، في لحظة سياسية وإقليمية بالغة الحساسية.
فبحسب ما نقلته وكالة رويترز خلال زيارة إعلامية نادرة نُظمت بدعم سعودي إلى مدينة المكلا، اتهم محافظ حضرموت سالم الخنبشي الإمارات بإدارة مركز احتجاز سري داخل قاعدة ريان الجوية، الواقعة قرب المدينة الساحلية الاستراتيجية. وهي اتهامات جاءت في مؤتمر صحفي رسمي، وبحضور صحفيين دوليين، ما منحها وزنًا سياسيًا وإعلاميًا يتجاوز التصريحات الاعتيادية.
تحتل حضرموت موقعًا محوريًا في المعادلة اليمنية. فهي أكبر المحافظات مساحة، وتطل على بحر العرب، وتتمتع باستقرار نسبي مقارنة بمناطق أخرى مزقتها الحرب. هذا الموقع جعلها ساحة تنافس هادئ، وأحيانًا خفي، بين أطراف التحالف نفسه، خصوصًا في ظل تعدد القوى الأمنية والعسكرية على الأرض.
ولذلك، فإن أي اتهامات تتعلق بإدارة السجون أو السيطرة الأمنية في حضرموت لا تُقرأ بمعزل عن صراع النفوذ داخل الجنوب اليمني، حيث يلعب المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، دورًا مركزيًا في إدارة المشهد الأمني، مقابل حكومة مدعومة بشكل أساسي من السعودية.
ما يميز هذه الجولة من الاتهامات ليس مضمونها فحسب، بل مصدرها. فإن تصدر تصريحات بهذا المستوى من مسؤول حكومي يمني، وفي سياق منسق مع الرياض، يشير إلى انتقال الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن.
وتذهب تصريحات الخنبشي إلى أبعد من مجرد الإشارة إلى انتهاكات محتملة، إذ توعد باتخاذ «جميع الإجراءات اللازمة» لمحاسبة الإمارات ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، في تصعيد غير مسبوق داخل التحالف.
في المقابل، لم يصدر رد رسمي من وزارة الخارجية الإماراتية، بينما أكد مسؤول في المجلس الانتقالي الجنوبي، في تصريح لرويترز، التزام المجلس الكامل بحقوق الإنسان والتعاون مع الأمم المتحدة وهيئات الرقابة الدولية.
يرى مراقبون أن امتناع أبوظبي عن الرد العلني السريع يعكس نمطًا معروفًا في تعاملها مع الملفات الحساسة، يقوم على إدارة الأزمات دبلوماسيًا بعيدًا عن السجال الإعلامي. غير أن هذا الصمت، في سياق اتهامات صادرة من حليف مفترض، قد يُفسَّر أيضًا على أنه مؤشر على تعقيد الموقف، لا سيما بعد انسحاب الإمارات عسكريًا من اليمن قبل سنوات، مع احتفاظها بنفوذ سياسي وأمني غير مباشر.
لا يمكن فصل هذه الاتهامات عن السياق الأوسع للعلاقة بين الرياض وأبوظبي. فمنذ العام الماضي، تصاعدت الخلافات بين الطرفين في أكثر من ملف، سواء داخل اليمن أو في ساحات إقليمية أخرى تمتد من القرن الإفريقي إلى السودان.
وفي اليمن تحديدًا، برز التباين بوضوح عندما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، على مناطق رئيسية جنوب البلاد، وأجبر قوات موالية للحكومة المدعومة سعوديًا على التراجع، ما كشف هشاشة مفهوم «التحالف الموحد».
يرى خبراء دوليون أن إعادة فتح ملف السجون السرية، حتى من دون تحقق مستقل حتى الآن، قد يخلق تحديات إضافية أمام الحكومة اليمنية نفسها، ويزيد من تعقيد علاقتها بحلفائها، خصوصًا في مرحلة يُفترض أن تركز فيها الجهود على تثبيت الاستقرار وإحياء العملية السياسية.
كما تثير هذه الاتهامات تساؤلات لدى الشركاء الغربيين للتحالف حول قضايا الحوكمة والمساءلة، ومدى قدرة الحكومة اليمنية على بسط سيطرة مؤسسية حقيقية على الأجهزة الأمنية في مناطق يُفترض أنها خاضعة لسلطتها.
في المحصلة، سواء ثبتت صحة هذه الادعاءات أم لا، فإنها تكشف حقيقة أعمق: الصراع في اليمن لم يعد يدور فقط حول الحوثيين، بل حول شكل الدولة المقبلة، ومن يمتلك القرار الأمني والسياسي في مناطق ما بعد الحرب.
حضرموت، التي ظلت لفترة طويلة بعيدة عن الأضواء، باتت اليوم مرآة لصراع النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين. ومع انتقال الخلافات إلى العلن، يبدو أن التحالف الذي تشكل تحت ضغط الحرب بات يواجه اختبارًا صعبًا في زمن التهدئة الهشة.
ومن دون معالجة هذه التصدعات الداخلية، سيظل أي حديث عن استقرار دائم في اليمن عرضة للانهيار، مهما تراجعت أصوات المدافع.

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]

أثار استهداف إيران لمنطقة الفجيرة في دولة الإمارات، يوم الاثنين 4 مايو/أيار، وما ترتب عليه من إصابات واندلاع حرائق في منشآت حيوية مخصصة لتزويد السفن بالوقود، موجة واسعة من التساؤلات حول الدلالات الاستراتيجية لاختيار هذا الموقع تحديدًا، خاصة وأنه تزامن مع تحركات عسكرية أمريكية في محيط مضيق هرمز، إضافة إلى محاولات لمنع سفن حربية من [...]

يُعد الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا أحد أبرز مظاهر التحالفات الاستراتيجية التي أعادت تشكيل خريطة الأمن في أوروبا والعالم بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يعود هذا الوجود إلى عام 1945، عقب استسلام ألمانيا النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما دخلت القوات الأمريكية البلاد ضمن قوات الحلفاء المنتصرة. في ذلك الوقت، بلغ عدد الجنود الأمريكيين في [...]

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، برزت خطوة الإمارات العربية المتحدة بطلب سداد فوري لنحو 3.5 مليارات دولار من باكستان بوصفها حدثًا يتجاوز دلالاته المالية المباشرة، ليكشف عن تحولات أعمق في بنية العلاقات والتحالفات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. فبينما بدت الخطوة، في ظاهرها، إجراءً ماليًا سياديًا، فإن توقيتها وسياقها السياسي يشيان بأنها رسالة متعددة الاتجاهات، [...]

في لحظة سياسية مشحونة، حيث تتعثر مسارات التفاوض وتتشابك المصالح الدولية، اتجهت إيران نحو موسكو في محاولة لكسر الجمود الذي يخيّم على علاقتها مع الولايات المتحدة. لم يكن هذا التحرك مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل خطوة محسوبة في توقيت بالغ الحساسية، تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن الحلول التقليدية لم تعد كافية لإعادة تحريك المياه الراكدة. فبعد [...]

قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن اسم عاصم منير يتردد خارج دوائر النخبة الأمنية في إسلام آباد. كان ضابطًا صلبًا في مؤسسة عسكرية اعتادت العمل بصمت، قبل أن يجد نفسه فجأة خارج دائرة الضوء، بعد إقالته من رئاسة جهاز الاستخبارات الباكستاني خلال فترة حكم عمران خان. حينها، بدا وكأن مسيرته وصلت إلى سقفها، أو ربما [...]