
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات أو تسريع العمليات الصناعية، بل بات يدخل مجالات كانت حتى وقت قريب حكرًا على الطبيعة أو محصورة في نطاق المختبرات البيولوجية المتقدمة.
ومع الإعلان عن نجاح أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في المساهمة بتصميم نماذج فيروسية صناعية قادرة على محاكاة خصائص كائنات حية، عاد سؤال قديم بثوب جديد: هل يقترب الإنسان من عتبة “صناعة الحياة”؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما موقع الدين من هذه التحولات الجذرية؟ وهل تمثل هذه التطورات تحديًا للمفاهيم الدينية حول الخلق، أم أنها مجرد امتداد لقدرة الإنسان على الاكتشاف ضمن القوانين الكونية التي وضعها الخالق؟
في هذا التحقيق، حاولنا تفكيك هذه الأسئلة من زوايا متعددة: علمية وفلسفية ودينية، عبر مقابلة حصرية مع الدكتور محمد أحمد المنى، أستاذ التفسير وعلوم القرآن في كلية الشريعة بجامعة العلوم الإسلامية، بالإضافة إلى تتبع مواقف فقهاء ومفكرين مسلمين، وآراء رجال دين مسيحيين وحاخامات يهود، لرسم صورة متوازنة حول حدود العلم، ودور الإنسان، ومعنى الخلق في عصر الذكاء الاصطناعي.
علميًا، لا يتفق الباحثون على أن تصنيع فيروس في المختبر يعني “خلق الحياة” بالمعنى الفلسفي أو الديني. فالفيروسات المصنّعة تعتمد غالبًا على شيفرات جينية معروفة أو نماذج رقمية مستوحاة من كائنات موجودة.
ويعمل الذكاء الاصطناعي كأداة تحليل وتوقع لتقديم تراكيب جينية محتملة ذات خصائص محددة. يصف علماء البيولوجيا التركيبية هذا الإنجاز بأنه إعادة ترتيب عناصر موجودة وليس إيجاد شيء من العدم.
لكن الرمزية الثقافية لكلمة “خلق” تفتح الباب أمام تأويلات دينية وأخلاقية عميقة، خاصة مع إمكانات الذكاء الاصطناعي في توجيه التطور البيولوجي.
في الإسلام، يُعدّ الخلق صفةً إلهية خالصة، كما يؤكد القرآن الكريم: “اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ” (الزمر: 62). ويُفهم من هذا أن الخلق بمعناه المطلق يعني الإيجاد من العدم، وهو ما لا يقدر عليه البشر مهما بلغوا من قدرات. ويرى علماء العقيدة أن أي فعل يقوم به الإنسان يدخل في باب التسخير لا الخلق، فهو ينظم ويستفيد مما خلق الله مسبقًا دون أن يبتكر شيئًا من العدم.
ويتفق العلماء على أن هذا التسخير يجب أن يتم ضمن حدود الشريعة والأخلاق، مع مراعاة النتائج وامتناع الإنسان عن كل ما قد يسبب ضررًا له أو للآخرين أو للبيئة، وفق قاعدة الشريعة: “لا ضرر ولا ضرار”.
فالغاية من تسخير العلوم والأدوات ليست الخلق من العدم، بل الاستخدام الحكيم لما أوجد الله لتحقيق مصالح البشر دون تجاوز الحدود الشرعية.
في مقابلة مع اليوم ميديا، أوضح الدكتور محمد أحمد المنى: “أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في جميع المجالات، حتى اقتحم صناعة الشعر، الذي يجمع بين الألحان الموسيقية والأحاسيس واللغة الرفيعة. كما أذهلنا بقدرته على معالجة المسائل الشرعية بسرعة ودقة، مقدمًا إجابات شافية ومفصلة، ويستطيع عرض مذاهب أهل الأمصار بطريقة منظمة وسلسة.”
ورغم هذا الإعجاب، شدد الدكتور المنى على أن الذكاء الاصطناعي ليس فاعلًا مستقلاً ولا مصدرًا موثوقًا للفتاوى الشرعية، مستشهداً بحديث محمد بن سيرين: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. فأول شرط لأخذ العلوم الشرعية هو معرفة ناقلها والتأكد من علمه وورعه”، مؤكدًا أن هذا الشرط مفقود في المجيب الآلي الناتج عن خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
وفي السياق نفسه، أكدت دار الإفتاء المصرية أن الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل “تشات جي بي تي” في تفسير القرآن الكريم ممنوع شرعًا، لأنها لا تصدر عن أهل الاختصاص ولا تتبع منهجًا علميًا موثوقًا، وقد تنتج تفسيرات خاطئة أو محرفة. وشددت على وجوب الرجوع إلى كتب التفاسير المعتمدة وأهل العلم المتخصصين لضمان فهم صحيح وموثوق لمعاني القرآن، صيانةً لكتاب الله من الظن والتخمين.
وحذر الدكتور المنى من قابلية هذه الأنظمة للاختراق الفكري والتوجيه الضار، قائلاً: “يمكن لأعداء الإسلام أن يملؤوا هذه الأنظمة فتنة وتخريبًا، خصوصًا بعد ملاحظة ثقة المسلمين بمحتواها الحالي المليء بالأجوبة الصحيحة في مختلف فروع الشريعة الغراء. فهي في المحصلة ليست سوى إناء يرشح بما فيه.”
وأشار إلى أن الفائدة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن لدى المتخصصين الراسخين في العلوم الشرعية: “هو مفيد جدًا للراسخين في العلوم الشرعية؛ لأن بصائرهم المستنيرة تحميهم من مسالك الزيغ والزلل، ويتيح لهم توسيع المدارك، ويكون عونًا على جودة الاستحضار وحسن الترتيب.”
تبرز إشكالية تصنيع الفيروسات الحية أو تعديلها معمليًا كواحدة من أخطر صور العبث بالحياة، لما يترتب عليها من احتمالات التفشي غير المسيطر عليه، وإزهاق الأرواح، وتهديد الأمن الصحي العالمي.
ويرى فقهاء النوازل أن هذا النوع من الأبحاث، إذا أدى إلى صناعة عوامل مرضية أو تعزيز قدرتها على الإضرار، فإنه يدخل ضمن المحرمات الشرعية، لما يشتمل عليه من تعريض الأنفس للهلاك ومخالفة مقاصد الشريعة في حفظ النفس، وهو أحد المقاصد الخمسة الكلية.
أما الأبحاث التي تهدف إلى فهم الفيروسات لأجل الوقاية والعلاج وصناعة اللقاحات، فهي جائزة من حيث الأصل، بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية الصارمة، وضمان أعلى درجات الأمان، وانتفاء احتمالات التسرب أو سوء الاستخدام.
فالعبرة في الشريعة ليست بالفعل المجرد، بل بمآلاته ونتائجه، حفاظًا على حياة البشر وصحة المجتمع.
دعا الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس مجلس الفتوى في الإمارات، إلى إطار أخلاقي عالمي للذكاء الاصطناعي يجمع القادة الدينيين والمفكرين والعلماء والخبراء التقنيين وصناع السياسات، لضمان أن يظل التقدم التكنولوجي خادمًا للإنسانية ويحترم كرامتها. وأكد أن “أي ابتكار يفتقر إلى بوصلة أخلاقية قد يتحول من أداة للبناء إلى وسيلة للتدمير”.
ويشير فقهاء الأخلاق الحيوية، وهم متخصصون في دراسة الجوانب الشرعية والأخلاقية للعلوم الحديثة والتقنيات الحيوية، إلى أن: “تحريم العبث بالحياة لا يعني منع البحث العلمي، بل توجيهه نحو ما فيه نفع للبشرية دون أن يترتب عليه أضرار جسيمة أو مفاجئة.”
الخلق محصور بالله وحده، بينما يسخر الإنسان الأدوات والعلوم لتحقيق مصالحه ضمن حدود الشريعة والأخلاق، مع مراعاة النتائج والمآلات الأخلاقية والاجتماعية لما يبتكره. ويجب ضمان ألا يتحول التقدم التكنولوجي إلى مصدر تهديد أو ضرر، مع الالتزام دائمًا بالرجوع إلى المصادر الشرعية الموثوقة وأهل العلم، للحفاظ على التوازن بين الابتكار والفائدة الإنسانية والأمان الأخلاقي.
في عالم يشهد ثورة تكنولوجية غير مسبوقة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على محاكاة قدرات بشرية واتخاذ قرارات حساسة، يطرح الدين المسيحي تساؤلات حول العلاقة بين الخلق الإلهي، الابتكار البشري، والأخلاق التكنولوجية.
يؤكد الفكر المسيحي أن الله هو الخالق الوحيد للحياة، وأن الإنسان مسؤول عن كيفية استخدام المعرفة والتكنولوجيا دون المساس بالكرامة الإنسانية.
ترى الكاثوليكية أن الإنسان شريك في الاكتشاف وليس خالقًا مستقلاً. وثيقة الفاتيكان Antiqua et nova (2025) أوضحت: «الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن العقل البشري، ولا يجوز تركه بلا إطار أخلاقي، فقد يؤدي إلى فقدان التمييز الأخلاقي أو الهيمنة التقنية على حياة البشر.» (: vaticannews.va)
أكد البابا فرنسيس أن AI يمكن أن يحسن التعليم والرعاية الصحية ويوسع الوصول إلى المعرفة، لكنه لا يمكن أن يحل محل المسؤولية الأخلاقية أو العلاقات الاجتماعية. (usccb.org)
وشددت الأكاديمية البابوية للحياة على أن أي تدخل تقني في الحياة—سواء عبر تعديل الجينات أو AI—يجب أن يحترم كرامة الإنسان ويخدم الخير العام. ( vatican.va)
تعتبر البروتستانتية التقدم العلمي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، بركة إلهية، لكن استخدامها يخضع لمساءلة أخلاقية صارمة تحمي القيم الإنسانية وحقوق الفرد. ( papers.ssrn.com)
القس الأمريكي جون وايت يقول: «السؤال ليس هل يمكننا خلق الحياة أو تطوير الذكاء الاصطناعي، بل كيف نستخدم المعرفة؟ الاستخدام الأخلاقي هو ما يميز البركة الإلهية عن الهيمنة أو الاستغلال.» ( aeon.co)
في الفكر اليهودي، يشكل مفهوم “تيكون عولام” (תיקון עולם) أو «إصلاح العالم» دعوة إنسانية وأخلاقية للمشاركة في تحسين الخليقة. يعود المصطلح إلى الأدبيات الحاخامية القديمة، حيث كان يشير إلى تصحيح الأمور العامة من خلال الشريعة والعمل الصالح، وتوسع لاحقًا في التصوف اليهودي (الكابالا) ليشمل جمع الشرارات الإلهية وإعادة تكامل العالم بعد كسره بفعل الخطأ الأول. ( My Jewish Learning)
في العصر الحديث، يفسر بعض الحاخامات هذا المفهوم على أنه واجب أخلاقي للتغيير الاجتماعي والإنساني، يشمل العدالة الاجتماعية، حماية البيئة، والعمل على رفاهية الإنسان. وبحسب التقاليد اليهودية، الإنسان شريك في تحسين العالم، لكنه لا يخلق من العدم، بل يعيد تشكيل الموجود لخدمة الخير العام.
رغم اختلاف الخلفيات العقدية والمذهبية، تتقاطع المواقف الدينية عند نقاط أساسية تتعلق بالخلق والابتكار الإنساني. فالخلق الحقيقي من العدم يظل شأنًا إلهيًا خالصًا، بينما يُنظر إلى الابتكار البشري على أنه اكتشاف وإعادة توظيف لما هو موجود بالفعل.
ويحذر خبراء من أن استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم فيروسات قد يفتح الباب أمام سباق تسلح بيولوجي عالمي، وهو ما يجعل المخاطر الإنسانية أكثر وضوحًا من أي جدل ديني.
السؤال الجوهري لا يقتصر على الدين وحده، بل يمتد إلى صعيد الإنسانية جمعاء، فهل يمتلك البشر النضج الأخلاقي الكافي للتعامل مع تقنيات يمكن أن تهدد البشرية نفسها؟
الدين لا يعارض المعرفة أو التقدم العلمي، لكنه يضع لها أفقًا أخلاقيًا، ويذكر بأن لكل قوة عظيمة حدودًا يجب احترامها لضمان أن لا يتحول الابتكار إلى أداة للضرر.
بين مختبرات البيولوجيا وأسئلة اللاهوت، يقف الإنسان أمام مرآة قدرته وحدوده. الذكاء الاصطناعي لم يمنح الإنسان القدرة على الخلق الإلهي، لكنه جعله أقرب من أي وقت مضى إلى مواجهة أسئلة كبرى حول الأخلاق والعلم والدين، وأسئلة تتعلق بما يمكن أن يحققه أو يدمره بيده.
الإيمان والعلم يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب، شرط أن يظل الإنسان حارسًا للقيم الأخلاقية والكرامة الإنسانية، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.
المصدر – محمد فال معاوية

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات [...]

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]

أثار استهداف إيران لمنطقة الفجيرة في دولة الإمارات، يوم الاثنين 4 مايو/أيار، وما ترتب عليه من إصابات واندلاع حرائق في منشآت حيوية مخصصة لتزويد السفن بالوقود، موجة واسعة من التساؤلات حول الدلالات الاستراتيجية لاختيار هذا الموقع تحديدًا، خاصة وأنه تزامن مع تحركات عسكرية أمريكية في محيط مضيق هرمز، إضافة إلى محاولات لمنع سفن حربية من [...]

يُعد الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا أحد أبرز مظاهر التحالفات الاستراتيجية التي أعادت تشكيل خريطة الأمن في أوروبا والعالم بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يعود هذا الوجود إلى عام 1945، عقب استسلام ألمانيا النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما دخلت القوات الأمريكية البلاد ضمن قوات الحلفاء المنتصرة. في ذلك الوقت، بلغ عدد الجنود الأمريكيين في [...]

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، برزت خطوة الإمارات العربية المتحدة بطلب سداد فوري لنحو 3.5 مليارات دولار من باكستان بوصفها حدثًا يتجاوز دلالاته المالية المباشرة، ليكشف عن تحولات أعمق في بنية العلاقات والتحالفات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. فبينما بدت الخطوة، في ظاهرها، إجراءً ماليًا سياديًا، فإن توقيتها وسياقها السياسي يشيان بأنها رسالة متعددة الاتجاهات، [...]

في لحظة سياسية مشحونة، حيث تتعثر مسارات التفاوض وتتشابك المصالح الدولية، اتجهت إيران نحو موسكو في محاولة لكسر الجمود الذي يخيّم على علاقتها مع الولايات المتحدة. لم يكن هذا التحرك مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل خطوة محسوبة في توقيت بالغ الحساسية، تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن الحلول التقليدية لم تعد كافية لإعادة تحريك المياه الراكدة. فبعد [...]