
لطالما شكلت الولايات المتحدة شريكًا أساسيًا لإسرائيل منذ تأسيسها عام 1948، لتصبح أكبر متلقي تراكمي للمساعدات الخارجية الأمريكية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بلغ حجم هذه المساعدات أكثر من 300 مليار دولار معدلة وفق التضخم، موزعة بين المساعدات الاقتصادية والعسكرية، مع تركيز ملحوظ منذ بداية القرن الحالي على دعم القدرات العسكرية لإسرائيل بشكل شبه كامل.
وفرت واشنطن لإسرائيل أسلحة متطورة، وخدمات دعم، وتقنيات عسكرية متقدمة، ما جعل الجيش الإسرائيلي أحد الأكثر تطورًا في المنطقة. بموجب مذكرة تفاهم مؤقتة بين البلدين، تلتزم الولايات المتحدة بتزويد إسرائيل بمبلغ 3.8 مليار دولار سنويًا حتى عام 2028، تشمل 500 مليون دولار لتعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي، بما في ذلك القبة الحديدية وأنظمة “أرو” التي تم تطوير بعضها بالتعاون المباشر مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، سلط الصراع الأخير في غزة منذ أكتوبر 2023 الضوء على حجم الاعتماد الإسرائيلي على الدعم الأمريكي، وأثار تساؤلات جديدة حول جدوى استمرار هذا الدعم في ظل المخاطر الإنسانية المتفاقمة والضغوط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة.
يرى خبراء السياسة والدفاع أن توقف الدعم الأمريكي قد لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار إسرائيل، لكنه سيخلق ضغوطًا كبيرة على اقتصادها العسكري والتكنولوجي. يشير أوري غولدبرغ، عالم السياسة الإسرائيلي، إلى أن إسرائيل “ستواجه أزمة حقيقية” إذا توقف التمويل الأمريكي، لا سيما في قطاعات البحث والتطوير والتكنولوجيا العسكرية.
من جهة أخرى، يعتقد المحلل الدفاعي حمزة عطار أن الجيش الإسرائيلي يمكنه الاستمرار في جهوده العسكرية لمدة عام تقريبًا، إلا أن أولوياته ستتغير بسبب زيادة الضغوط المالية. يشمل فقدان الدعم أنظمة الدفاع الصاروخي، القبة الحديدية، والأقمار الصناعية التجارية المستخدمة في جمع المعلومات الاستخباراتية، ما يجعل إسرائيل أكثر عرضة للهجمات من دول إقليمية معادية.
وفي الوقت نفسه، سيضطر الجيش الإسرائيلي إلى البحث عن موردين آخرين للأسلحة خارج الولايات المتحدة، ربما من أوروبا أو دول حليفة أخرى، ما قد يرفع التكاليف ويؤخر وصول المعدات العسكرية الضرورية، خصوصًا في حالات الطوارئ العسكرية.
يشير أوري غولدبرغ ودانيال ليفي، المستشار السابق للحكومة الإسرائيلية، إلى أن فقدان الدعم الأمريكي سيغير قواعد اللعبة على الساحة الدولية. إذ ستفقد إسرائيل الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن، والدعم السياسي والقانوني في المحافل الدولية، ما يعرضها للعقوبات والضغط القانوني في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
ويضيف ها هيلير، الباحث في الشؤون الدولية، أن توقف الدعم الأمريكي سيضعف قدرة إسرائيل على الإفلات من المسؤولية تجاه الفلسطينيين والدول المجاورة مثل لبنان وسوريا. وسيجد الاحتلال نفسه أمام مساءلة أكبر، ما قد يفرض إعادة تقييم سياساته الإقليمية والداخلية، بما في ذلك السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة.
على الصعيد الداخلي، قد يكون التأثير على السياسة الإسرائيلية محدودًا، خاصة بين مجتمع المستوطنين الذي يواصل توسيع المستوطنات بغض النظر عن الدعم الأمريكي. ومع ذلك، يشير دانيال ليفي إلى أن الدعم الأمريكي شكل “غطاءً سياسيًا” لليمين الإسرائيلي، مما أتاح له مواصلة سياسات التوسع والانتهاكات بحق الفلسطينيين، بينما قد يضطر الآن لإعادة صياغة استراتيجيته.
اقتصاديًا، يعتمد الجيش الإسرائيلي والقطاع التكنولوجي العسكري بشكل كبير على التمويل الأمريكي. وتوقف هذا الدعم قد يؤدي إلى تقليص البحث والتطوير وتسريح العمالة في الشركات المتخصصة في الدفاع والتقنيات المتقدمة. ومع ذلك، قد تظل قطاعات الاقتصاد المدني مستقرة جزئيًا، مع حدوث تغييرات تدريجية على المدى الطويل.
لطالما كانت المساعدات الأمريكية لإسرائيل مركزة على أوقات الأزمات. ففي حرب أكتوبر 1973، نفذت واشنطن عملية جسر جوي لتزويد إسرائيل بالذخائر والأسلحة، فيما وافق الكونغرس لاحقًا على حزمة بقيمة 2.2 مليار دولار لإعادة بناء القدرات العسكرية. وفي العدوان الأخير على غزة (2023-2025)، تجاوزت المساعدات 21.7 مليار دولار، وشملت شحنات جوية وبحرية لمعدات عسكرية متقدمة، بما في ذلك العربات المدرعة والمؤن الطبية.
تعكس هذه التدفقات الاستثنائية حجم الاعتماد الإسرائيلي على التمويل الأمريكي، وأهمية هذا الدعم في الحفاظ على تفوقها العسكري في مواجهة الأزمات الإقليمية، لكنه أيضًا يسلط الضوء على المخاطر السياسية والقانونية في حال تغير هذا الدعم.
أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن نيته الحد من الاعتماد على الدعم العسكري الأمريكي خلال السنوات المقبلة، بهدف تعزيز الاستقلالية الوطنية. وأكد في مقابلة مع مجلة “الإيكونوميست” أن إسرائيل طورت قدرات عسكرية متقدمة، تمكنها من مواجهة التحديات المستقبلية بشكل أكبر دون الاعتماد الكامل على واشنطن.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات متزايدة داخل الولايات المتحدة بسبب تكاليف الدعم العسكري، وارتفاع الضغوط السياسية والرأي العام الأمريكي المناهض للتمويل المستمر للجيش الإسرائيلي، لا سيما في ضوء الأحداث الإنسانية في غزة.
منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، قدمت الولايات المتحدة نحو 174 مليار دولار مساعدات اقتصادية وعسكرية، مع توجيه الجزء الأكبر نحو الدعم العسكري منذ عام 2008. وتضمن مذكرة تفاهم عام 2016 التزام واشنطن بتقديم 38 مليار دولار في الفترة 2019-2028، أي نحو 3.8 مليار دولار سنويًا، بما في ذلك 500 مليون دولار لتعزيز منظومات الدفاع الصاروخي.
تشمل هذه المساعدات التمويل المباشر لشراء الأسلحة المتطورة، والمساهمة في مشاريع البحث والتطوير، ودعم الجيش الإسرائيلي في أوقات الحرب والأزمات، ما يعكس طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين ويفسر سبب اعتماد إسرائيل شبه الكامل على الدعم الأمريكي للحفاظ على تفوقها العسكري.

تبدو الأيام حبلى بالتحولات منذ أكثر من أسبوعين على بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، فيما تقف تركيا في قلب عاصفة إقليمية تحاول تفادي الانجراف إليها. تتزاحم الأسئلة حول موقف أنقرة، خصوصًا أن التصعيد سبقته إشارات إسرائيلية تتحدث عن تشكّل محور إقليمي جديد، ما وضع تركيا ضمن الحسابات المباشرة للصراع، حتى قبل أن تتضح معالمه. [...]

في قلب هذا الشرق المزدحم بالتاريخ والنزاعات، تتكرر الأسئلة كلما ارتفعت وتيرة الصواريخ وانخفض منسوب العقل: من يخسر؟ ومن يربح؟ وهل ما يجري اليوم مجرد جولة عسكرية عابرة، أم لحظة مفصلية تعيد رسم العلاقة بين إيران ومحيطها العربي، وخصوصًا دول الخليج؟ المشهد، كما يتبدّى من تداخل الوقائع والسياقات، ليس بسيطًا ولا خطيًا. فهناك تعاطف شعبي [...]

لم تعد أزمة إيران مع محيطها الخليجي مجرّد جولة تصعيد عسكري عابر، بل تحوّلت إلى اختبار عميق لطبيعة دورها الإقليمي وحدود نفوذها السياسي. ففي لحظة تتعرض فيها طهران لضربات من الولايات المتحدة وإسرائيل، تختار في الوقت نفسه توسيع دائرة الاشتباك باتجاه دول الخليج، ما يفتح الباب أمام سؤال مركزي يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة: هل تدافع [...]

منذ الضربة الجوية التي استهدفت منشآت حقل «بارس الجنوبي» في 18 مارس 2026، لم يعد المشهد في الشرق الأوسط قابلاً للقراءة ضمن حدود المواجهة الثنائية بين إيران وإسرائيل، بل اتسع ليأخذ شكل أزمة إقليمية مركبة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية، وتتشابك فيها مواقف القوى الكبرى مع توازنات دول الخليج. فقد شكّل هذا الهجوم، [...]

في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بموقف بدا للوهلة الأولى متناقضًا: السماح بضربة إسرائيلية استهدفت حقل «بارس الجنوبي» الإيراني، قبل أن يتعهد بعدم تكرارها، بحسب رويترز. لكن خلف هذا التناقض الظاهري، تتكشف ملامح استراتيجية أكثر تعقيدًا، تعكس محاولة أمريكية لإعادة رسم قواعد الاشتباك في [...]

يثير طلب وزارة الدفاع الأمريكية تمويلاً يتجاوز 200 مليار دولار لعمليات محتملة ضد إيران، وفق ما نقلته واشنطن بوست، جملة من الأسئلة العميقة حول طبيعة المرحلة المقبلة في الخليج، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مواجهة مفتوحة، أم إعادة ترتيب استراتيجية لموازين القوة تحت سقف “الردع المحسوب”. هذا الرقم الضخم لا يمكن قراءته بمعزل عن [...]