
في ظاهر المشهد الخليجي تبدو التوازنات مستقرة؛ تحالفات قائمة، واقتصادات صاعدة، وتنسيق أمني لا يزال يعمل تحت مظلة واحدة. لكن خلف هذا الهدوء النسبي، تتشكل دينامية جديدة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، دينامية لا تقوم على القطيعة ولا على التحالف الكامل، بل على ما يسميه بعض المراقبين «المنافسة المُدارة»، وهي حالة وسطى تعيد رسم ملامح الإقليم بهدوء ولكن بعمق.
وفقًا لتقرير نشره موقع ناشونال إنترست، في وقت ينشغل فيه المحللون باحتمالات التصعيد بين واشنطن وإيران، وبانعكاسات أي مواجهة محتملة على أمن الخليج وأسواق الطاقة، تتصاعد في الخلفية أزمة مختلفة في طبيعتها. فهي لا تحمل ملامح صراع عسكري مباشر، لكنها تملك القدرة على زعزعة التوازنات الاقتصادية والسياسية في منطقة تُعد شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، كما تمس بشكل مباشر حسابات الولايات المتحدة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
حتى وقت قريب، كان يُنظر إلى الرياض وأبوظبي باعتبارهما قطبي محور خليجي متماسك يعمل بتنسيق وثيق لاحتواء النفوذ الإيراني، وضبط إيقاع أسواق النفط، والتعامل مع تداعيات ما بعد الربيع العربي. ومع صعود محمد بن سلمان في السعودية، وترسخ نفوذ محمد بن زايد في الإمارات، بدا أن البلدين يتجهان نحو صياغة رؤية مشتركة تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة. وقد تجلى هذا التقارب في مواقفهما المتقاربة من ملفات عديدة، من الحرب في اليمن إلى معارضتهما للحركات الإسلامية السياسية.
غير أن هذا التوافق الظاهري كان يخفي خلفه مسارين وطنيين طموحين يسيران بالتوازي، لكن ليس بالضرورة في الاتجاه نفسه. فقد أطلقت السعودية «رؤية 2030» كمشروع شامل لإعادة هيكلة اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط وتحويل الرياض إلى مركز استثماري عالمي، بينما واصلت الإمارات ترسيخ نموذجها القائم على الانفتاح التجاري والخدمات اللوجستية والمالية، مستندة إلى خبرة تراكمت على مدى عقود، خصوصًا في دبي وأبوظبي. في البداية بدت الرؤيتان متكاملتين، لكن مع مرور الوقت تحولت المساحات المشتركة إلى ساحات تنافس مباشر على الاستثمارات والمقار الإقليمية للشركات العالمية وحركة الطيران وسلاسل الإمداد.
بحلول مطلع العقد الحالي، لم يعد التنافس اقتصاديًا صامتًا، بل بدأ يظهر في سياسات واضحة. فقرار الرياض اشتراط نقل الشركات الأجنبية مقارها الإقليمية إلى داخل المملكة للحصول على العقود الحكومية فُهم على نطاق واسع باعتباره تحديًا مباشرًا لدور دبي كمركز أعمال أول في المنطقة. ومع إطلاق مشاريع طيران عملاقة وتوسيع المطارات السعودية، بدا أن المنافسة امتدت إلى قطاع ظل لعقود أحد أعمدة القوة الناعمة الإماراتية.
ولم يقتصر التباين على الاقتصاد. ففي الملف اليمني، الذي كان يومًا عنوان التنسيق العسكري بين البلدين، بدأت الأولويات تتباعد تدريجيًا. ركزت السعودية على حماية حدودها ومنع ترسخ تهديدات الحوثيين، بينما أولت الإمارات اهتمامًا خاصًا بتأمين الممرات البحرية وبناء شبكات نفوذ محلية جنوبًا وعلى السواحل. ومع مرور الوقت، نشأت هياكل نفوذ متوازية أحيانًا ومتصادمة أحيانًا أخرى، ما كشف حدود الرؤية المشتركة التي حكمت تدخلهما الأول.
وتتكرر مظاهر التباين في ساحات أخرى. فقد نسجت أبوظبي علاقات علنية ومتقدمة مع إسرائيل على المستويات الاقتصادية والتكنولوجية، بينما تواصل الرياض اتباع مقاربة أكثر حذرًا، تربط أي انفتاح رسمي بتقدم ملموس في مسار القضية الفلسطينية، انطلاقًا من حسابات تتعلق بمكانتها الدينية والسياسية في العالمين العربي والإسلامي.
كما يظهر الاختلاف في التعاطي مع أزمات القرن الأفريقي والبحر الأحمر والسودان، حيث تميل كل دولة إلى بناء شبكات شراكة مختلفة تعكس أولوياتها الاستراتيجية الخاصة، سواء عبر دعم الحكومات المركزية أو التعامل مع فاعلين محليين يملكون نفوذًا ميدانيًا مباشرًا. هذا التباين يعكس فلسفتين مختلفتين في إدارة النفوذ الإقليمي، إحداهما تركز على ثقل الدولة، والأخرى على مرونة الشبكات الاقتصادية والأمنية.
ورغم أن الدولتين تشتركان في القلق من صعود الحركات الإسلامية، وفي الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية، فإن طموح كل منهما لقيادة المشهد الخليجي يجعل التنافس بينهما شبه حتمي. فالعلاقة لم تعد علاقة تابع وموجّه كما تصورها البعض في السنوات الأولى، بل باتت علاقة بين قوتين واثقتين تسعيان إلى تثبيت مكانتهما كقائدين لنموذجين مختلفين في التنمية والنفوذ.
ومع ذلك، لا يبدو أن أيًا من الطرفين يرغب في دفع هذا التنافس إلى مواجهة مفتوحة. فالتشابك الاقتصادي عميق، والتحديات الأمنية مشتركة، واستقرار مجلس التعاون يظل مصلحة حيوية للطرفين. لذا تستمر العلاقة في هذا الشكل المركب: تعاون عند الضرورة، وتنافس حيث تسمح المصالح، وحرص متبادل على إبقاء الخلاف تحت سقف يمكن التحكم به.
لكن هذا التوازن الدقيق يظل قابلًا للاهتزاز، خصوصًا في ظل أزمات إقليمية قابلة للاشتعال مثل اليمن أو التوترات البحرية أو التحولات في أسواق الطاقة. وإذا ما خرجت المنافسة عن إطارها المُدار، فإن تداعياتها لن تقتصر على الخليج وحده، بل ستمتد إلى بنية النظام الإقليمي بأكمله، في لحظة يشهد فيها الشرق الأوسط أصلًا إعادة تشكل عميقة في موازين القوة.

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التصريحات السياسية مع الحسابات العسكرية، مما يرفع منسوب القلق العالمي. فبينما يقلل دونالد ترامب من صعوبة إعادة فتح مضيق هرمز في حال إغلاقه أو تعطيله، يرى محللون عسكريون واستراتيجيون أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات ميدانية وسياسية تجعل أي تحرك أمريكي محفوفًا بمخاطر التصعيد واسع النطاق، وربما الانزلاق إلى مواجهة [...]

في لحظة توتر غير مسبوقة، تدقّ الصحافة البريطانية ناقوس الخطر بشأن مستقبل الشرق الأوسط، محذّرة من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى وتدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانهيار. في افتتاحيتها، ترسم صحيفة الإندبندنت صورة قاتمة لمشهد يتصاعد بسرعة، معتبرة أن الولايات المتحدة فتحت ما يشبه “صندوق باندورا” في المنطقة، في [...]

في لحظةٍ تختلط فيها السياسة بالوهم، وتتصادم فيها السرديات مع الوقائع، يقف دونالد ترامب أمام واحدة من أكثر لحظاته تعقيدًا منذ دخوله عالم السياسة. فالرجل الذي بنى مسيرته على تحويل التصورات إلى “حقائق”، يجد نفسه اليوم في مواجهة حرب لا تخضع لقواعد الخطاب، ولا تنحني لقوة التكرار. منذ اندلاع المواجهة مع إيران، لم يتردد ترامب [...]

في لحظة إقليمية مشبعة بالتوترات والتحولات المتسارعة، برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمسرح لحدث دبلوماسي لافت، قد لا يقتصر تأثيره على مسار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بل يمتد ليؤسس لتوازنات جديدة تعيد رسم ملامح المنطقة. ففي اجتماع بدا للوهلة الأولى اعتياديًا، اجتمع وزراء خارجية أربع دول محورية—مصر، السعودية، تركيا، وباكستان—لكن ما جرى خلف الأبواب [...]

في لحظةٍ تبدو فيها خرائط العالم ثابتة على الورق، تتحرك على أرض الواقع خطوط خفية ترسم ملامح القوة والنفوذ. وفي قلب هذه الخطوط، يبرز مضيق باب المندب بوصفه أحد أكثر النقاط حساسية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، لكنه يتحكم في مصير مليارات الدولارات من التجارة العابرة يوميًا. هذا المضيق الذي [...]

قبل ثماني ساعات، أعلنت جماعة الحوثي في اليمن تنفيذ هجوم صاروخي ثانٍ على جنوب إسرائيل خلال يوم واحد، في خطوة أثارت القلق الإقليمي والدولي بشأن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط. وبحسب المتحدث باسم الجماعة، يحيى سريع، فإن الهجوم استخدم “وابلاً من صواريخ كروز والطائرات المسيّرة” مستهدفًا مواقع عسكرية حيوية، تزامن مع عمليات نفذتها إيران وحزب [...]