
لم يعد التنافس السعودي–الإماراتي محصورًا في جغرافيا الخليج أو في ساحات الصراع التقليدية مثل اليمن، بل بدأ يتمدد بهدوء نحو فضاءات جيوسياسية أوسع، حيث تُعاد صياغة خرائط النفوذ الإقليمي بأدوات أقل صخبًا وأكثر تعقيدًا.
وفي قلب هذا التحول، برزت إثيوبيا، الدولة الحبيسة جغرافيًا، لكنها بالغة التأثير استراتيجيًا، بوصفها إحدى أهم عقد التوازن في القرن الإفريقي، ونقطة ارتكاز غير مباشرة لأمن البحر الأحمر وباب المندب.
هذا التحول لا يعكس مجرد خلاف عابر أو تباين تكتيكي بين حليفين سابقين، بل يكشف عن تصادم رؤيتين مختلفتين لإدارة النفوذ الإقليمي في مرحلة ما بعد الحروب المفتوحة: رؤية تعتمد على بناء شبكات لوجستية وأمنية مرنة، وأخرى تراهن على إعادة التوازن عبر التحالفات والمؤسسات الإقليمية. وبين هاتين المقاربتين، تجد أديس أبابا نفسها أمام معادلة دقيقة، تجمع بين فرص استراتيجية ومخاطر بنيوية.
خلال السنوات الماضية، شكّلت اليمن الساحة الأبرز للتنافس غير المعلن بين الرياض وأبوظبي. غير أن كلفة الصراع، وتبدّل أولويات الأمن الإقليمي، وتراجع جدوى المواجهات المباشرة، دفعت الطرفين إلى إعادة التفكير في أدوات إدارة النفوذ. وبدلًا من الاستثمار في ساحات استنزاف طويلة، بدأ التوجه نحو بناء عمق استراتيجي بعيد المدى، يقوم على السيطرة على العقد اللوجستية ومسارات التجارة والطاقة.
في هذا السياق، تحوّل البحر الأحمر من مجرد ممر تجاري إلى مسرح جيوسياسي مكتمل الأركان، تتقاطع فيه المصالح الخليجية والدولية. ولم يعد النفوذ يُقاس بعدد القواعد العسكرية فقط، بل بالقدرة على التحكم في الموانئ، والمجالات الجوية، وشبكات النقل التي تربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
قد يبدو للوهلة الأولى أن إثيوبيا، بوصفها دولة بلا سواحل، بعيدة عن هذا الصراع البحري. غير أن واقعها الجغرافي والاقتصادي يجعلها شديدة الارتباط بمعادلات البحر الأحمر. فإثيوبيا تعتمد بشكل شبه كامل على موانئ خارج حدودها لتأمين تجارتها ووارداتها الاستراتيجية، ما يجعل أي تغيير في التوازنات الإقليمية مسألة تمس أمنها القومي مباشرة.
إضافة إلى ذلك، تمتلك إثيوبيا واحدًا من أكبر الجيوش في إفريقيا، وثقلًا سكانيًا يفوق 120 مليون نسمة، ما يمنحها وزنًا إقليميًا يصعب تجاهله. كما يشكل مجالها الجوي أحد أهم مسارات الربط بين الخليج وشرق إفريقيا، ما يضيف بعدًا لوجستيًا بالغ الأهمية لأي قوة إقليمية تسعى إلى بناء نفوذ مستدام في المنطقة.
تعتمد أبوظبي نموذجًا قائمًا على بناء شبكات نفوذ متعددة المستويات، تجمع بين الاستثمار الاقتصادي، والتموضع اللوجستي، والدعم الأمني المباشر عند الحاجة. وفي الحالة الإثيوبية، تجاوز هذا الحضور الطابع التنموي التقليدي، ليأخذ شكل شراكة استراتيجية مرنة.
برز ذلك بوضوح خلال النزاع في إقليhttps://todaymedia.net/world-news/51366م تيغراي، حيث شكّل الدعم العسكري والتقني الإماراتي عاملًا مؤثرًا في موازين القوة، ومنح أديس أبابا أدوات حاسمة لتعزيز سيطرتها الميدانية. هذا النموذج البراغماتي، القائم على السرعة والمرونة، مكّن الإمارات من ترسيخ نفوذ فعّال دون الانخراط في التزامات سياسية علنية واسعة.
ويمتد هذا النفوذ ضمن شبكة إقليمية أوسع تشمل موانئ إريتريا، وأرض الصومال، ومسارات جوية حيوية، ما يسمح بربط البحر بالجو والبر ضمن منظومة واحدة، قادرة على خدمة أهداف اقتصادية وأمنية في آن معًا.
في المقابل، تميل السعودية إلى مقاربة أكثر تحفظًا، تعتمد على بناء التوازن عبر التحالفات والمؤسسات الإقليمية، بدل الدخول في سباق شبكات نفوذ موازٍ. تاريخيًا، فضّلت الرياض العمل من خلال الأطر الرسمية، والتنسيق متعدد الأطراف، والاستثمار في الاستقرار طويل الأمد.
غير أن تسارع التمدد الإماراتي في القرن الإفريقي دفع السعودية إلى مراجعة هذه المقاربة. فبدأت الرياض في توسيع دائرة تحالفاتها، وتعزيز التنسيق مع مصر والجزائر والصومال، في محاولة لمنع انفراد أي طرف بإدارة معادلات الأمن في البحر الأحمر وباب المندب.
هذا التحول يعكس إدراكًا سعوديًا متزايدًا بأن أدوات النفوذ التقليدية لم تعد كافية وحدها في بيئة إقليمية تتسم بالسيولة والتحولات السريعة.
في المرحلة الحالية، لم تعد الموانئ مجرد منشآت تجارية، بل تحولت إلى منصات نفوذ سياسي وأمني. وبالمثل، بات المجال الجوي – رغم طابعه المدني – أحد مفاتيح القوة غير المعلنة، لما يوفره من مرونة في نقل الإمدادات وبناء العمق العملياتي.
في هذا الإطار، تبرز إثيوبيا كنقطة تقاطع بين التجارة والأمن والسياسة. فهي توفر عقدة لوجستية حيوية، لكنها في الوقت ذاته تربط جزءًا من أمنها الاستراتيجي بشبكات نفوذ خارجية، ما يرفع منسوب المخاطر في حال تصاعد التوتر بين القوى الإقليمية.
من جهة، يمنحها هذا التنافس هامش مناورة واسعًا، يمكن توظيفه للحصول على دعم اقتصادي وعسكري، وتعزيز موقعها التفاوضي إقليميًا. ومن جهة أخرى، يضعها أمام خطر التحول إلى ساحة صراع غير مباشر، حيث تتقاطع مصالح قوى أكبر من قدرتها على التحكم في مساراتها.
كلما تعمّق الارتباط بالبنى اللوجستية الخارجية، تقلّصت استقلالية القرار الاستراتيجي، وارتفعت احتمالات التورط في صراعات لا تخدم بالضرورة أولويات الداخل الإثيوبي.
يعكس التنافس السعودي–الإماراتي في إثيوبيا تحولًا أعمق في طبيعة الصراعات الإقليمية، حيث لم تعد تُدار عبر الحروب المفتوحة، بل عبر شبكات النفوذ والبنى اللوجستية. وفي قلب هذا التحول، تقف إثيوبيا أمام اختبار استراتيجي حاسم: إما أن تكون عقدة توازن ذكية في نظام إقليمي يعاد تشكيله، أو أن تتحول إلى ساحة صراع جديدة في لعبة نفوذ تتجاوز حدودها.

في عمق الأحراش النائية غرب إثيوبيا، وعلى مسافة غير بعيدة من الحدود السودانية، تكشف صور الأقمار الصناعية وتقاطعات شهادات أمنية ودبلوماسية عن تطور بالغ الخطورة: معسكر تدريبي سري يُعد آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع السودانية، في مؤشر جديد على اتساع رقعة أحد أكثر النزاعات دموية في العالم وتحوله إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح. تحقيق [...]

لم يكن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتقديم موعد زيارته إلى واشنطن خطوة بروتوكولية عابرة، ولا تعديلًا تقنيًا في جدول مزدحم، بل بدا – في توقيته وسياقه – تعبيرًا صريحًا عن قلق متصاعد داخل أروقة الحكم في تل أبيب، قلقٍ فرضته تطورات إقليمية متسارعة، في مقدمتها انطلاق مسار تفاوضي أميركي–إيراني قد يعيد رسم معادلات [...]

وسط القاعات السياسية في المنامة، تعكس الأحداث الأخيرة صورة مأزق البحرين الحقيقية: الدولة الأصغر في مجلس التعاون الخليجي تقع تحت ضغط متزايد من قوتين إقليميتين رئيسيتين، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. هذا الصراع النفوذي لم يعد بعيدًا عن الجزيرة، بل أصبح يحدد مسار سيادتها الداخلية وخياراتها الاستراتيجية. البحرين، الدولة التي لطالما اعتبرت نفسها تابعة [...]

منذ سنوات، اعتادت المنطقة العربية أن ترى النفوذ يُفرض عبر الدبابات، والقرارات تُكتب في غرف العمليات العسكرية. لكن المشهد اليوم يتغير بهدوء لافت. من اليمن إلى سوريا، تتحرك السعودية بأسلوب مختلف، أقل ضجيجًا وأكثر تعقيدًا، مستندة إلى المال والاستثمار وإعادة ترتيب مراكز القوة بدل المواجهة المباشرة. في هذا التحول، لا يبدو المال مجرد أداة دعم، [...]

في قلب الصراع اليمني المستمر منذ سنوات، تبدو المملكة العربية السعودية وكأنها بدأت فصلاً جديداً في ساحة معقدة من السياسة والمال والنفوذ. بعد خروج الإمارات من الملف اليمني في العام الماضي، شرعت الرياض في استخدام رصيدها المالي والنفوذ السياسي الاستراتيجي لإعادة فرض السيطرة على الدولة التي مزقتها الحروب والانقسامات، في محاولة واضحة لإعادة ترتيب المشهد، [...]

لم تعد العلاقة بين أرض الصومال (صوماليلاند) وجمهورية الصومال الفيدرالية مجرد خلاف سياسي داخلي حول الشرعية والسيادة، بل تحوّلت تدريجيًا إلى لعبة شطرنج إقليمية ودولية معقّدة، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، وتُرسم خلالها التحالفات بصمت، بينما تتحرك القطع بهدوء فوق رقعة القرن الإفريقي الحساسة. في هذه اللعبة، تبدو أرض الصومال وكأنها تُراكم نقاطًا استراتيجية بثبات، [...]