
لم تعد العلاقة بين أرض الصومال (صوماليلاند) وجمهورية الصومال الفيدرالية مجرد خلاف سياسي داخلي حول الشرعية والسيادة، بل تحوّلت تدريجيًا إلى لعبة شطرنج إقليمية ودولية معقّدة، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، وتُرسم خلالها التحالفات بصمت، بينما تتحرك القطع بهدوء فوق رقعة القرن الإفريقي الحساسة.
في هذه اللعبة، تبدو أرض الصومال وكأنها تُراكم نقاطًا استراتيجية بثبات، في مقابل تعثر متزايد للصومال الفيدرالية التي تعاني من أزمات داخلية متشابكة تُضعف موقعها التفاوضي إقليميًا ودوليًا.
الحدث الأبرز مؤخرًا تمثّل في اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وهي خطوة وُصفت بأنها مفصلية، ليس فقط لما تحمله من رمزية سياسية، بل لما تعكسه من تحوّل في نظرة بعض القوى المؤثرة إلى صوماليلاند كفاعل مستقل يمكن التعاطي معه خارج إطار مقديشو.
ويزداد وزن هذا التطور مع ما يُتداول عن مباركة أمريكية غير مباشرة، تُقرأ في العرف الدبلوماسي بوصفها قبولًا تدريجيًا بالأمر الواقع، حتى وإن لم يصل بعد إلى مستوى الاعتراف الرسمي.
في 31 يناير، استضاف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بمدينة جيكجيكا عاصمة الإقليم الصومالي شرقي إثيوبيا، كلًا من الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود والرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي، بحضور تجمع “إيغاد”.
ورغم أن البيانات الرسمية تحدثت عن تعزيز التعاون الإقليمي وتخفيف التوترات، فإن القراءة السياسية الأعمق تشير إلى أن اللقاء جاء في إطار محاولة إعادة تهيئة المشهد، خصوصًا مع سعي إثيوبيا لتأمين مصالحها الاستراتيجية، وفي مقدمتها الانفتاح على حكومة أرض الصومال.

وتشير مؤشرات متزايدة إلى أن أديس أبابا قد تتجه مستقبلاً نحو الاعتراف بصوماليلاند، أو على الأقل التعامل معها ككيان قائم لا يمكن تجاهله، وهو ما يجعل لقاء جيكجيكا خطوة ضمن مسار طويل لتخفيف الكلفة السياسية لمثل هذا التحول.
في المقابل، تواجه الصومال الفيدرالية أزمة ثقة غير مسبوقة، بعدما رفض رئيسا إقليمي بونتلاند وجوبالاند التوجه إلى مقديشو للمشاركة في لقاءات سياسية، وسط مخاوف معلنة من التعرض للاعتقال أو التضييق.
هذا التطور يكشف هشاشة البنية الداخلية للدولة الفيدرالية، ويبعث برسالة مقلقة إلى الخارج مفادها أن مركز القرار في مقديشو يفتقر إلى الإجماع الوطني، ما يضعف قدرته على مواجهة تحركات صوماليلاند المتسارعة.
حتى الحليف الأبرز للصومال الفيدرالية، تركيا، بدأ يشهد جدلًا داخليًا متصاعدًا، إذ انتقدت المعارضة التركية جدوى الانخراط الواسع في الصومال، معتبرة أن الاستثمارات السياسية والعسكرية هناك لم تحقق العوائد المرجوة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
ورغم أن هذا الجدل لا يعني تغييرًا فوريًا في الموقف التركي، فإنه يعكس احتمال مراجعة مستقبلية قد تُقلص من حجم الدعم المقدم لمقديشو.
على الضفة الأخرى، يواصل رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله عيرو تحركاته الخارجية، إذ غادر هرجيسا إلى دبي للمشاركة في القمة العالمية للحكومات، حيث تمثل صوماليلاند في منصة تضم أكثر من 130 دولة وقادة مؤثرين عالميًا.
هذه المشاركة تُعد خطوة دبلوماسية مدروسة لترسيخ صورة صوماليلاند ككيان مستقر وقادر على التفاعل مع النظام الدولي، بعيدًا عن كونها مجرد منطقة انفصالية.
بينما تنشغل الصومال الفيدرالية بإدارة أزماتها الداخلية، تمضي أرض الصومال في ترسيخ حضورها خطوة بعد أخرى على الساحة الدولية.
اللعبة لم تُحسم بعد، لكن اتجاهها يبدو أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: في الشطرنج السياسي، من يجيد الصبر وتراكم المكاسب الصغيرة، غالبًا ما يصل إلى مربع الحسم دون ضجيج.
المصدر: المستشار الصومالي إلياس قابيل

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]