
دعمت تل أبيب خطة ترامب للسلام في غزة وسوريا بالاسم فقط، لكنها دمرت تنفيذها على الأرض بشكل متعمد للحفاظ على قبضتها الإقليمية. الرئيس الأمريكي لم يكن على علم بحقيقة الأفعال الإسرائيلية، وظن أن تل أبيب تعمل معه بروح التعاون.
في يناير 2025، افتتح ترامب حديثه في خطاب التنصيب الثاني قائلاً: “سيكون إرثي الأكثر فخراً وأني صانع السلام والموحد. هذا ما أريد أن أكون: صانع سلام وموحد.”
كان هذا الخطاب يوحي بعهد جديد في الشرق الأوسط، لكنه سرعان ما واجه تحديات غير متوقعة. خلال عام واحد، أصبحت خطة السلام، التي أُعلنت مذهلة على الورق، فوضى على الأرض. فقد أصدر ترامب ضربات عسكرية على إيران وفنزويلا، ما ألقى بظلال من الشك على دوره كوسيط سلام، في حين استمر نتنياهو في التخطيط لتقويض الاتفاقات من الداخل.
في 15 يناير 2025، أوقف فريق ترامب الحرب في غزة، بعد سنوات من الصراع الدموي. عاد مئات الأسرى الإسرائيليين تدريجيًا من قبضة حماس منذ 7 أكتوبر 2023، بينما أطلقت السلطات الفلسطينية سراح 2000 أسير، في مؤشر نادر على التعاون بين الطرفين.
دخلت المساعدات الإنسانية القطاع، وبدأ مئات الآلاف من المشردين الفلسطينيين بالعودة إلى مناطقهم. هذه الخطوة كانت بمثابة فجر أمل جديد للفلسطينيين، بينما سعى ترامب لإثبات قدرته على كسر الجمود التاريخي في المنطقة.
أعلن ترامب في تنصيبه: “يسعدني أن أقول إنه اعتباراً من يوم أمس، قبل يوم واحد من تولي منصبي، يعود الرهائن في الشرق الأوسط إلى ديارهم لعائلاتهم.”
لكن الأمل لم يدم طويلًا. المرحلة الثانية، التي كان الهدف منها إنهاء الحرب بالكامل وإطلاق سراح جميع الأسرى المتبقين، لم تتحقق أبدًا. رفض نتنياهو تفويض فريق ترامب للتفاوض على شروط المرحلة الثانية، مؤكداً أن إسرائيل لن تنهي الحرب إلا بعد تدمير قدرات حماس العسكرية، حتى لو كان ذلك على حساب المدنيين الأبرياء.
اعتمد نتنياهو أسلوب المناورة الدقيقة لإحباط خطة ترامب. في 2 مارس، وافق على تمديد المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار لمدة 42 يومًا، لكن هذا التمديد جاء بعد أن دمر المفاوضات عبر حصار غزة وقطع الضروريات، ما دفع مليوني فلسطيني نحو المجاعة.
في 18 مارس، شنت إسرائيل هجومًا جويًا صادمًا أدى إلى مقتل أكثر من 400 فلسطيني، بينهم كبار مسؤولي حماس، ونساء وأطفال. وصف الفلسطيني إبراهيم ديب من غزة المأساة قائلاً: “لم نتوقع أبداً عودة الحرب، فقد فقدت 35 فردًا من عائلتي في غارة على منزلنا.”
هذه الأفعال لم تُلغي وقف إطلاق النار فحسب، بل تحدت البيت الأبيض علنًا، وأظهرت مدى إصرار نتنياهو على فرض النفوذ الإسرائيلي بالقوة على الأرض، مهما كانت التكاليف الإنسانية.
دخلت خطة ترامب الجديدة المكونة من 20 نقطة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، وتمت المصادقة عليها لاحقًا في مجلس الأمن الدولي في نوفمبر. التزمت حماس بإطلاق سراح جميع الأسرى، وهو إنجاز دبلوماسي غير مسبوق.
لكن إسرائيل انتهكت كل بند من بنود الخطة، واستمر القصف، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 442 فلسطينياً خلال الأشهر الأربعة التالية. القوات الإسرائيلية رفضت الانسحاب من المناطق المتفق عليها، ووسعت وجودها العسكري غرب الخط الأصفر، واستهدفت الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى ديارهم.
كما نصت الخطة على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية إلى حوالي 40% و15% من أراضي غزة، مع الحفاظ على محيط أمني، لكن القوات الإسرائيلية تجاهلت هذه البنود تمامًا، مستمرة في الهدم المنهجي للأحياء وفرض سيطرة كاملة على المنطقة.
كانت خطة ترامب تنص على إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا، لكن إسرائيل سمحت فقط لـ171 شاحنة. تم منع مواد حيوية مثل المشرط وأعمدة الخيام.
في 30 ديسمبر 2025، منعت إسرائيل 37 منظمة دولية، بينها أطباء بلا حدود وأوكسفام وميرسي كوربس، من العمل في غزة، مما أوقف أي جهود لإنشاء مجلس سلام أو سلطة مدنية لإدارة القطاع.
أوقف نتنياهو أي محاولات لتسهيل نزع سلاح حماس أو العفو عن مقاتليها، وأصدر أوامر باغتيالهم، مما أدى إلى انهيار مشروع ترامب في غزة بالكامل.
في سوريا، دعمت واشنطن وتل أبيب صعود الرئيس السوري أحمد الشرع، زعيم هيئة تحرير الشام، إلى السلطة. جاء هذا التحرك كجزء من خطة “أخشاب الجميز” التابعة لوكالة المخابرات المركزية.
بينما عمل ترامب على تعزيز شرعيته، نفذت إسرائيل غارات جوية لتدمير الأصول العسكرية السورية والسيطرة على أراضٍ استراتيجية، بما في ذلك جنوب غرب سوريا وقمة جبل الشيخ على الحدود اللبنانية، محدثة تفككًا جزئيًا في السلطة السورية.
رغم الدعم الأمريكي للشرع، واصل نتنياهو سياسة إبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة، مع التركيز على السيطرة على الأراضي الحساسة واستغلال الوضع لزيادة النفوذ الإسرائيلي.
سياسات إيران في المنطقة، خصوصًا في سوريا، كانت عاملاً مؤثرًا على ديناميكية الصراع، وزادت من تعقيد موقف ترامب ونتنياهو. إيران دعمت فصائل في سوريا والعراق ولبنان، مما خلق تهديدًا مستمرًا على خطة ترامب للسلام، وأجبر الولايات المتحدة على موازنة تدخلاتها بين غزة وسوريا.
كان أي تحرك عسكري أو دبلوماسي مرتبطًا بتوازن القوى الإقليمي، ما جعل تحقيق السلام أكثر صعوبة، وأبرز الفجوة بين الخطاب الأمريكي والطموحات الإسرائيلية.
أدى تآمر نتنياهو ورفضه الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار وخطة ترامب إلى إفشال السلام في غزة، وتعقيد جهود الدبلوماسية الأمريكية في سوريا. بينما حاول ترامب حماية إرثه كصانع سلام، بقيت الخريطة السياسية في الشرق الأوسط مضطربة، مع استمرار تأثير حماس، استقرار الشرع الجزئي، وتحديات إيران الإقليمية.
القصة تظهر أن السلام ليس مجرد اتفاقيات على الورق، بل يحتاج إلى التزام حقيقي من الأطراف المتنافسة، وهو ما فشل نتنياهو في توفيره، ما جعل المنطقة على حافة انفجار دائم.

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]

في قلب شبكة معقدة تمتد من بنغازي إلى دبي ومالطا ولندن، يبرز اسم أحمد جاد الله بوصفه أحد أكثر الشخصيات الليبية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. رجل الأعمال الليبي، الذي يعيش حياة مترفة بين الطائرات الخاصة والفنادق الفاخرة، بات وفق تقارير دولية وأممية، لاعبًا محوريًا في شبكة مالية واقتصادية مرتبطة بمعسكر خليفة حفتر، وسط اتهامات [...]

بعد ثلاثة أشهر على بدء التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، تبدو الصورة في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحقق تقدمًا حقيقيًا نحو أهدافه الاستراتيجية، أم أنه يواجه مأزقًا سياسيًا وعسكريًا متصاعدًا قد يعيد رسم ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة. ورغم ما [...]

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات [...]

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]