
لم يكن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتقديم موعد زيارته إلى واشنطن خطوة بروتوكولية عابرة، ولا تعديلًا تقنيًا في جدول مزدحم، بل بدا – في توقيته وسياقه – تعبيرًا صريحًا عن قلق متصاعد داخل أروقة الحكم في تل أبيب، قلقٍ فرضته تطورات إقليمية متسارعة، في مقدمتها انطلاق مسار تفاوضي أميركي–إيراني قد يعيد رسم معادلات حساسة في الشرق الأوسط.
فمساء السبت 7 فبراير، أعلن مكتب نتنياهو أن رئيس الحكومة سيتوجه إلى العاصمة الأميركية يوم الأربعاء 11 من الشهر الجاري، للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد أن كان مقررًا أن تتم الزيارة في النصف الثاني من فبراير، على هامش المؤتمر السنوي للوبي الإسرائيلي–الأميركي (إيباك)، والاجتماع الأول لما يُعرف بـ«مجلس السلام» المعني بملف غزة. غير أن الطلب الإسرائيلي بتقديم الموعد أسبوعًا كاملًا منح الزيارة طابعًا عاجلًا، يوحي بأن ما يجري خلف الكواليس يتجاوز حسابات التنظيم إلى اعتبارات سياسية وأمنية ضاغطة.
التبكير المفاجئ للزيارة لم يُقرأ في الأوساط الإسرائيلية بوصفه مجرد تفاعل مع أجندة البيت الأبيض، بل كخطوة استباقية تهدف إلى إيصال رسائل مباشرة إلى الإدارة الأميركية، في لحظة ترى فيها تل أبيب أن مسار التفاوض مع إيران قد ينزلق بعيدًا عن تصوراتها ومطالبها الأمنية.
وقبيل المغادرة، يخطط نتنياهو لعقد سلسلة لقاءات مكثفة مع قادة أحزاب الائتلاف الحاكم، إضافة إلى جلسة خاصة للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، في محاولة لصياغة موقف موحد، وتحديد سقف الرسائل التي سيحملها إلى واشنطن. فاللقاء المرتقب مع ترامب يُعد السابع بين الرجلين منذ عودة الأخير إلى البيت الأبيض في يناير 2025، لكنه يأتي هذه المرة في ظل بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا وحساسية.
الشرارة الأساسية لهذا القلق الإسرائيلي تعود إلى الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية–الإيرانية التي عُقدت في العاصمة العُمانية مسقط، يوم الجمعة 6 فبراير. فقد خيّمت أجواء إيجابية على التصريحات الصادرة عن الجانبين، حيث وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجولة بأنها «إيجابية»، مؤكدًا أن واشنطن لا تعمل تحت ضغط زمني، لكنها في الوقت ذاته ترفض بشكل قاطع امتلاك إيران سلاحًا نوويًا.
في المقابل، حرصت طهران على ضبط سقف التوقعات. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي شدد، في تصريحات أعقبت الجولة، على أن المفاوضات تقتصر حصريًا على الملف النووي، وأن أي حديث عن برامج أخرى، وعلى رأسها الصواريخ الباليستية، يخرج عن إطار التفاوض. وأكد أن حق إيران في تخصيب اليورانيوم «غير قابل للتنازل»، حتى لو فُرضت الحرب، مع إبداء استعداد لمناقشة ترتيبات تقنية تتعلق بمستويات التخصيب بما يراعي الاحتياجات السلمية، دون إخراج اليورانيوم المخصب من البلاد.
هذا التباين بين التفاؤل الأميركي والانضباط الإيراني في رسم الخطوط الحمراء، أثار في تل أبيب مخاوف من أن تفضي المفاوضات إلى اتفاق يركّز على جوهر الملف النووي، من دون التطرق الجدي إلى ما تعتبره إسرائيل مصادر تهديد أوسع.
صحيفة «إسرائيل هيوم» اليمينية لخّصت المزاج السائد داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب بثلاثة هواجس مركزية تقضّ مضاجع الحكومة الإسرائيلية.
الهاجس الأول يتمثل في ما تصفه الصحيفة بـ«البراغماتية المفرطة» لدى ترامب. فإسرائيل تخشى أن يسعى الرئيس الأميركي إلى تحقيق إنجاز سياسي سريع يُسوَّق داخليًا، عبر صفقة تركز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع ترحيل ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني إلى مراحل لاحقة، أو تجاهلها كليًا. مثل هذا السيناريو، من وجهة نظر تل أبيب، لا يرقى إلى مستوى «الاتفاق الشامل»، بل يمثل «نصف اتفاق» يترك جوهر التهديد قائمًا.
الهاجس الثاني يرتبط بإمكانية تخفيف العقوبات الأميركية عن إيران مقابل خطوات محدودة أو قابلة للالتفاف. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن أي انفراجة اقتصادية ستمنح طهران متنفسًا ماليًا، يُمكّنها من تعزيز نفوذها الإقليمي، ودعم حلفائها في المنطقة، بدل أن يؤدي إلى تقليص قدراتها.
أما الهاجس الثالث، وربما الأكثر عمقًا، فيتعلق باحتمال أن يقود أي تفاهم – حتى وإن كان منقوصًا – إلى تقليص الحضور العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. وتخشى إسرائيل أن تجد نفسها، في هذه الحالة، أمام منظومة إيرانية متنامية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، من دون مظلة ردع أميركية كافية.
في ضوء هذه الهواجس، يبدو أن نتنياهو يسعى من خلال زيارته العاجلة إلى التأثير المبكر في مسار المفاوضات، قبل أن تدخل مراحل أكثر تقدمًا. وتشير التقديرات إلى أنه سيضغط باتجاه إدراج شروط مشددة في أي تفاهم محتمل، تشمل كبح برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ووقف دعم طهران لما يُعرف بمحور المقاومة، ومنع أي صيغة قد تُفسَّر في إسرائيل على أنها تساهل مع البنية النووية الإيرانية.
كما يُنتظر أن يعمل نتنياهو على تعبئة اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، مستفيدًا من اقتراب موعد مؤتمر «إيباك»، لحثه على ممارسة ضغط موازٍ على البيت الأبيض، بهدف منع الانزلاق نحو حلول وسط لا تلبي المطالب الإسرائيلية.
ولا يقتصر جدول أعمال الزيارة على الملف الإيراني وحده؛ إذ تحضر أيضًا تطورات غزة ولبنان، حيث يسعى نتنياهو إلى التأثير في ملامح الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، بما يضمن – قدر الإمكان – بقاء المقاربات المطروحة ضمن الإطار الذي تريده تل أبيب، في لحظة إقليمية تتكثف فيها محاولات إعادة رسم التوازنات.
بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، لم تغب لغة القوة. فقد أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر زيارة خاطفة إلى حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» المتمركزة في البحر المتوسط، في خطوة فُسرت على أنها رسالة ردع مباشرة لطهران.
الرسالة لم تمر مرور الكرام. فقد حذّر رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، عبد الرحيم موسوي، من أن أي محاولة لفرض الحرب على إيران لن تفضي إلى هزيمة الطرف المعتدي فحسب، بل ستؤدي إلى توسيع نطاق الصراع في المنطقة بأسرها، مخلّفة خسائر جسيمة.
في هذا السياق، تُقرأ زيارة نتنياهو العاجلة، بتوقيتها غير المألوف، كتحرك استباقي لرسم خطوط حمراء أمام ترامب، قبل أن تتجه المفاوضات إلى مراحل أكثر حساسية. فنتنياهو لا يكتفي بمتابعة نتائج الدبلوماسية، بل يسعى إلى توجيه مسارها منذ البداية، خشية أن تقود براغماتية ترامب ورغبته في تحقيق إنجاز سياسي سريع إلى اتفاق لا يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية ولا يخفف من هواجسها الأمنية.
وفي النهاية، تبقى الساحة مفتوحة على جميع الاحتمالات. فالأجواء الإيجابية لجولة مسقط لا تشكل ضمانة لاستمرار المسار ذاته، في ظل ضغوط إسرائيلية متوقعة على البيت الأبيض، ما يجعل المنطقة بأسرها على أعتاب مرحلة تفاوضية دقيقة، قد تعيد رسم موازين القوى… أو تشعل فصولًا جديدة من التوتر دون مقدمات.

وسط القاعات السياسية في المنامة، تعكس الأحداث الأخيرة صورة مأزق البحرين الحقيقية: الدولة الأصغر في مجلس التعاون الخليجي تقع تحت ضغط متزايد من قوتين إقليميتين رئيسيتين، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. هذا الصراع النفوذي لم يعد بعيدًا عن الجزيرة، بل أصبح يحدد مسار سيادتها الداخلية وخياراتها الاستراتيجية. البحرين، الدولة التي لطالما اعتبرت نفسها تابعة [...]

منذ سنوات، اعتادت المنطقة العربية أن ترى النفوذ يُفرض عبر الدبابات، والقرارات تُكتب في غرف العمليات العسكرية. لكن المشهد اليوم يتغير بهدوء لافت. من اليمن إلى سوريا، تتحرك السعودية بأسلوب مختلف، أقل ضجيجًا وأكثر تعقيدًا، مستندة إلى المال والاستثمار وإعادة ترتيب مراكز القوة بدل المواجهة المباشرة. في هذا التحول، لا يبدو المال مجرد أداة دعم، [...]

في قلب الصراع اليمني المستمر منذ سنوات، تبدو المملكة العربية السعودية وكأنها بدأت فصلاً جديداً في ساحة معقدة من السياسة والمال والنفوذ. بعد خروج الإمارات من الملف اليمني في العام الماضي، شرعت الرياض في استخدام رصيدها المالي والنفوذ السياسي الاستراتيجي لإعادة فرض السيطرة على الدولة التي مزقتها الحروب والانقسامات، في محاولة واضحة لإعادة ترتيب المشهد، [...]

لم تعد العلاقة بين أرض الصومال (صوماليلاند) وجمهورية الصومال الفيدرالية مجرد خلاف سياسي داخلي حول الشرعية والسيادة، بل تحوّلت تدريجيًا إلى لعبة شطرنج إقليمية ودولية معقّدة، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، وتُرسم خلالها التحالفات بصمت، بينما تتحرك القطع بهدوء فوق رقعة القرن الإفريقي الحساسة. في هذه اللعبة، تبدو أرض الصومال وكأنها تُراكم نقاطًا استراتيجية بثبات، [...]

دعمت تل أبيب خطة ترامب للسلام في غزة وسوريا بالاسم فقط، لكنها دمرت تنفيذها على الأرض بشكل متعمد للحفاظ على قبضتها الإقليمية. الرئيس الأمريكي لم يكن على علم بحقيقة الأفعال الإسرائيلية، وظن أن تل أبيب تعمل معه بروح التعاون. في يناير 2025، افتتح ترامب حديثه في خطاب التنصيب الثاني قائلاً: "سيكون إرثي الأكثر فخراً وأني [...]

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات أو تسريع العمليات الصناعية، بل بات يدخل مجالات كانت حتى وقت قريب حكرًا على الطبيعة أو محصورة في نطاق المختبرات البيولوجية المتقدمة. ومع الإعلان عن نجاح أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في المساهمة بتصميم نماذج فيروسية صناعية قادرة على محاكاة خصائص كائنات حية، عاد سؤال قديم بثوب جديد: [...]