
مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ونشر حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” ومناورات عسكرية إيرانية واسعة في مضيق هرمز، يزداد احتمال الانزلاق إلى مواجهة عسكرية طويلة الأمد. قراءة سردية مفصلة لتقديرات الحرب، استراتيجيات الطرفين، وتداعيات صراع استنزاف متعدد الجبهات.
في الأيام الأخيرة، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران موجة من التوترات التي تنذر باحتمال مواجهة عسكرية مفتوحة، لا تقل خطورة عن أي صراع شهدته المنطقة سابقًا. فعلى الرغم من وتيرة المفاوضات المتذبذبة، باتت المؤشرات العسكرية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، مع نشر حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لينكولن” في مياه الشرق الأوسط، تزامنًا مع انطلاق مناورات عسكرية واسعة للجيش الإيراني في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط العالمية.
هذا التصعيد لا يقتصر على الاستعراض العسكري، بل يصاحبه خطاب متناقض، إذ يفتح كلا الطرفين الباب للتفاوض، لكنه في الوقت نفسه يقرن الدبلوماسية بالتهديد. من جهة، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقول إن الاتفاق قد يواجه أيامًا صعبة، ومن جهة أخرى، أصرّ المرشد الأعلى لإيران على أن أقوى الجيوش في العالم يمكن أن تتلقى ضربات مؤلمة، حتى مهدّدًا بإغراق حاملة طائرات أمريكية إلى قاع البحر، ما يعكس حجم التوتر النفسي والاستراتيجي على حد سواء.
إن الاحتمال الأبعد في هذه المرحلة ليس انزلاق الصراع إلى دبلوماسية ناجحة، بل نشوء مواجهة محتملة بسبب الفجوة الكبيرة بين المطالب الأميركية، المدعومة بإسرائيل، والتي تهدف إلى إخضاع إيران بالكامل، وبين موقف طهران الذي يسعى إلى اتفاق يضمن تنازلات منطقية، دون المساس بالقدرات الباليستية والردعية أو بسياستها في المنطقة.
في الواقع، إيران ترفض أن يكون برنامجها الصاروخي أو دعمها لحلفائها في المنطقة ضمن نقاط النقاش، ما يجعل أي جولة تفاوضية صعبة للغاية. لذلك، بدأت الأنظار تتجه نحو السيناريو العسكري، إذ أي مواجهة محتملة لن تكون مشابهة لحرب قصيرة أو محدودة، بل ستكون مواجهة شاملة، قد تستهدف تغييرات نوعية في بنية النظام الإيراني، وربما تهدف إلى دفعه نحو إسقاط جزئي أو كامل.
استراتيجية الولايات المتحدة في عهد ترامب تعتمد على فلسفة “السلام عبر القوة”، أي تحقيق أهداف السياسة الخارجية بأقل تكلفة ممكنة، مع فرض تغيير سريع على خصومها. نموذج فنزويلا ونجاح الولايات المتحدة في إخضاع النظام هناك، أوجد مثالًا للبيت الأبيض حول كيفية فرض تغييرات استراتيجية عبر عمليات محدودة وسريعة.
إلا أن إيران تمثل سيناريو مختلفًا تمامًا. فالجيش الإيراني ليس مجرد قوة تقليدية؛ بل شبكة معقدة من الدفاعات الصاروخية وحلفاء إقليميين قادرين على خوض حرب استنزاف طويلة، وتحويل أي هجوم أميركي سريع إلى مواجهة متعددة الجبهات، تشمل العراق ولبنان واليمن، بالإضافة إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
هذا يعني أن أي خطة أميركية تتطلب الاستعداد لعمليات طويلة الأمد، تشمل ضربات متواصلة للمنشآت الحكومية والأمنية الإيرانية، مع توقع رد فعل إيراني مضاد على مدى أسابيع، ما يجعل الحسابات العسكرية والسياسية أكثر تعقيدًا.
تؤكد الدراسات الإيرانية أن أي صراع مع الولايات المتحدة لا يهدف إلى النصر السريع، بل إلى استنزاف الطرف المقابل. إيران لا تسعى للسيطرة الإقليمية الفورية، بل لتكديس التكاليف السياسية والاقتصادية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحويل الحرب إلى صراع طويل الأمد عالي الكلفة.
في الساعات الأولى لأي مواجهة، سيركّز الإيرانيون على احتواء الضربات وتثبيت معادلة ردع، مع ضربات صاروخية محدودة ضد قواعد أميركية في الخليج والعراق. بعد ذلك، من المتوقع أن تنتقل إيران إلى استراتيجية الاستنزاف المتدرّج، عبر موجات متقطعة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، مع تفعيل تدريجي لحلفائها الإقليميين.
حتى المجال الاقتصادي سيكون أداة ضغط رئيسية؛ رفع مستوى المخاطر في الملاحة البحرية ومضيق هرمز قد يرفع أسعار النفط عالميًا، ما يمنح إيران ورقة ضغط دولية على العواصم الغربية والآسيوية، ويحوّل المواجهة العسكرية إلى أزمة اقتصادية جزئية.
تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا وتقنيًا واضحًا، مع شبكة قواعد في الخليج وشرق المتوسط وأوروبا تتيح لها توزيع القوة والمرونة العملياتية. كما أن العمق الاستراتيجي الأميركي يمنح صانعي القرار هامشًا واسعًا، إذ الأراضي الأميركية ليست معرضة للقصف المباشر.
لكن حرب الاستنزاف لا تُقاس بالقوة العسكرية وحدها؛ فهي اختبار للقدرة الاقتصادية، الصبر السياسي، والتحالفات الدولية. التكاليف الاقتصادية يمكن أن تمتد إلى الأسواق العالمية للطاقة، التضخم، وسلاسل الإمداد، ما يضع واشنطن أمام ضغط داخلي متزايد إذا استمر النزاع طويلاً.
السياسة الأميركية في هذه المرحلة ستواجه خيارات صعبة: إما استمرار مواجهة منخفضة الوتيرة، أو موجة تصعيد قصيرة لإعادة فرض الردع، أو العودة إلى تفاوض غير مباشر بعد تقييم نتائج الضربات.
على عكس الولايات المتحدة، إسرائيل لا تملك عمقًا استراتيجيًا كبيرًا، وأي حرب استنزاف طويلة ضد إيران أو حلفائها، خصوصًا في لبنان أو غزة، ستضع الضغط مباشرة على الجبهة الداخلية. لذلك، إسرائيل تفضّل عادةً الحسم السريع أو إعادة ضبط قواعد الاشتباك بدل الانخراط في مواجهة طويلة، لأن استمرار التهديد الصاروخي يضاعف الضغط الاقتصادي والاجتماعي ويستنزف قوات الاحتياط.
بينما تتصاعد التوترات الأميركية–الإيرانية على ضوء نشر حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومناورات إيران في مضيق هرمز، ومع ترابط التصعيد العسكري الإيراني مع تحركات حلفائها في المنطقة، يبقى السؤال: هل ستنجح الولايات المتحدة في فرض الردع الإستراتيجي دون أن تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات تؤثر على أسواق الطاقة واستقرار الشرق الأوسط؟ أم أن الصراع الأميركي–الإيراني المحتمل سيخرج عن السيطرة، ويعيد كتابة معادلات القوة الإقليمية على نحو لا يمكن التكهن به؟

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]

في قلب شبكة معقدة تمتد من بنغازي إلى دبي ومالطا ولندن، يبرز اسم أحمد جاد الله بوصفه أحد أكثر الشخصيات الليبية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. رجل الأعمال الليبي، الذي يعيش حياة مترفة بين الطائرات الخاصة والفنادق الفاخرة، بات وفق تقارير دولية وأممية، لاعبًا محوريًا في شبكة مالية واقتصادية مرتبطة بمعسكر خليفة حفتر، وسط اتهامات [...]

بعد ثلاثة أشهر على بدء التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، تبدو الصورة في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحقق تقدمًا حقيقيًا نحو أهدافه الاستراتيجية، أم أنه يواجه مأزقًا سياسيًا وعسكريًا متصاعدًا قد يعيد رسم ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة. ورغم ما [...]

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات [...]

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]