
وسط القاعات السياسية في المنامة، تعكس الأحداث الأخيرة صورة مأزق البحرين الحقيقية: الدولة الأصغر في مجلس التعاون الخليجي تقع تحت ضغط متزايد من قوتين إقليميتين رئيسيتين، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. هذا الصراع النفوذي لم يعد بعيدًا عن الجزيرة، بل أصبح يحدد مسار سيادتها الداخلية وخياراتها الاستراتيجية. البحرين، الدولة التي لطالما اعتبرت نفسها تابعة لمصلحة الرياض، تجد نفسها اليوم على مفترق طرق، بين الحماية الاستراتيجية للشريك التاريخي والمرونة التكتيكية لشريك صاعد، أبوظبي، الذي يختبر كل حدود النفوذ في الخليج.
لطالما كان الأمن المستورد جزءًا من طبيعة البحرين، وامتدادًا لهويتها كدولة صغيرة هشة جغرافيًا وسياسيًا. منذ القرن التاسع عشر، كانت القوات البريطانية متواجدة على أراضي الجزيرة، وهو وجود استمر حتى بعد الاستقلال في عام 1971، لكنه تحول تدريجيًا في شكله وامتداده. قاعدة الصخير، التي افتتحت عام 2018، تمثل أكبر قاعدة بريطانية في غرب آسيا، وهي دليل على استمرار النفوذ البريطاني حتى بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، رغم أن تأثيرها النسبي أقل من النفوذ الأمريكي في المنطقة.
في الوقت نفسه، يمثل الأسطول الخامس الأمريكي في الجفير حجر الزاوية للأمن البحري الأمريكي في الخليج، ويحول البحرين إلى عقدة استراتيجية في شبكة المصالح الأمريكية. تأسست القاعدة البحرية الأمريكية رسميًا عام 1995 بموجب اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1991، لتكون نقطة محورية لأي أزمة سياسية داخلية في البحرين أو المنطقة.
الاعتماد على الحماية الخارجية كان واضحًا بشكل خاص خلال الاحتجاجات الشعبية في 14 فبراير 2011، حين تدخلت القوات السعودية والإماراتية تحت مظلة “درع الجزيرة”، ليصبح التدخل العلني جزءًا من تاريخ السيادة البحرينية، ويرسخ فكرة أن الحماية لا تأتي بدون شروط.
أكثر من عقد مضى على تدخل 2011، وبدأت ملامح إعادة المعايرة السعودية تتضح. تقارير سرية تحدثت عن خطوات سحب جزئي للقوات السعودية، نتيجة انهيار التنسيق والثقة بين المنامة والرياض، وتحالف بعض الأطراف البحرينية مع المواقف الإماراتية التي قد تتعارض مع مصالح الرياض.
هذا الانسحاب الجزئي لا يعني فقط تغيير المواقع العسكرية، بل يعيد تعريف العلاقة بين المستفيد والضامن، ويضع البحرين تحت ضغط جديد لإثبات ولائها للأمن السعودي مقابل استمرار الدعم. ولأول مرة منذ سنوات، أصبحت الولاءات الخليجية مرتبطة بالنتائج والمواءمة الاستراتيجية، لا بالقرارات الموروثة أو العلاقات التاريخية.
على عكس الرياض، تقدم أبوظبي دعمًا سريعًا ومرنًا، بدون فرض شروط الطاعة التقليدية. هذا الأسلوب يسمح للإمارات بالتصرف كوسيط يومي في البحرين، مستفيدة من موقع الجزيرة لتوسيع نفوذها الإقليمي من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط.
البحرين، بحجمها الصغير وهشاشتها، توفر لأبوظبي منصة مثالية لتعزيز حضورها في الخليج دون مواجهة مباشرة مع الرياض. وهذا الدعم الإماراتي لا يضع البحرين في موقف الخضوع الكامل، لكنه يجعلها تتحرك بين الضغط السعودي والمرونة الإماراتية، محاولة الحفاظ على استقلالية نسبية في السياسة الداخلية والخارجية.
أحد أبرز مظاهر التوتر الإقليمي هو مسألة التطبيع مع إسرائيل. بينما وقعت الإمارات والبحرين اتفاقيات أبراهام في 2020، كانت دوافع كل دولة مختلفة. أبوظبي حرصت على تعزيز موقعها في مصفوفة الأمن الأمريكي الإسرائيلي، بينما تبنت البحرين المسار بحذر، خوفًا من انتقاد سعودي محتمل، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على القواعد الأمنية والاستخباراتية.
المملكة العربية السعودية ترى أن أي تحرك خليجي–إسرائيلي يجب أن يكون تحت قيادتها، وأن أي خطوة أحادية من شريك صغير مثل البحرين تُعتبر انتهاكًا للمصلحة السعودية، وتشكل تهديدًا لأمنها الاستراتيجي. هذا التباين يعكس حقيقة أن الصراع النفوذي الخليجي لم يعد يقتصر على الدعم المالي أو العسكري، بل يمتد إلى البنية السياسية والاستخباراتية لكل دولة صغيرة في المنطقة.
المأزق الحقيقي للبحرين يكمن في كونها تحتاج إلى الدعم الاستراتيجي السعودي، لكنها تبحث في الوقت نفسه عن مرونة أبوظبي التكتيكية لتجنب الانعزال أو الخضوع الكامل. هذا التوازن الهش يجعل الجزيرة جبهة حساسة في الحرب الباردة الخليجية، حيث كل خطوة مراقبة، وكل تحرك له تكلفة سياسية أو مالية أو حتى أمنية.
المعارض البحريني علي الفايز يشير إلى أن البحرين متجذرة في التاريخ العربي والإسلامي، وأنها كانت دائمًا مقاومة للهيمنة الأجنبية، لكن النظام الحالي يعتمد على دعم خارجي للبقاء. هذا الواقع يجعل التوازن بين الضغط السعودي والدعم الإماراتي حاسمًا للحفاظ على الاستقرار الداخلي، لكنه يضع الدولة الصغيرة على حافة الحسم.
في كل السيناريوهات، تظل البحرين الحلقة الأضعف، و”اختبارها” الحالي يعكس تحولات أعمق في السياسة الخليجية: التحالفات لم تعد موروثة، بل تُصاغ وتُفاوض بصمت، دائمًا بسعر، مع خطر أن تصبح الدولة الصغيرة عرضة لأضرار جانبية في إعادة تنظيم أكبر لموازين القوى الإقليمية.
مأزق البحرين ليس مجرد مسألة صغيرة في الخليج، بل مرآة تعكس التنافس الإقليمي بين السعودية والإمارات، بين الاستراتيجيات الطويلة الأمد والضغط التكتيكي السريع. الجزيرة الصغيرة أصبحت لاعبًا محوريًا في الحرب الباردة الخليجية، حيث كل خطوة لها تداعيات استراتيجية، وكل تحالف يُصاغ بعناية فائقة.
في النهاية، يظل السؤال: هل تستطيع البحرين الحفاظ على حيادها واستقلالها النسبي، أم أنها ستصبح أول ضحايا إعادة ترتيب النفوذ في الخليج؟

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]