
العلاقات بين السعودية والإمارات ليست مجرد مسار دبلوماسي أو شراكة اقتصادية، بل هي نسق معقد من التحالفات والمصالح المتشابكة التي امتدت لعقود، تشبه شبكة دقيقة من التوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية. هذه العلاقة تحاكي مفهوم “الرباط الأخوي” في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، حيث يكون التحالف بين الدول بمثابة عقد اجتماعي يتجاوز مجرد المصالح اللحظية. لكن كل عقد له نقاط ضعف، وكل صديق قد يتحول إلى خصم إذا اختلفت الرؤى الإستراتيجية أو تعارضت المصالح الوطنية.
في ديسمبر 2025، بلغ هذا التحالف نقطة حرجة بعد غارة جوية سعودية استهدفت شحنة أسلحة في ميناء المكلا باليمن، قيل إنها مرتبطة بقوى محلية مدعومة من الإمارات. يمثل هذا التطور منعطفًا دراماتيكيًا، ليس فقط على مستوى الشراكة الثنائية، بل على صعيد استقرار المنطقة ككل، في لحظة يختبر فيها التحالف الخليجي حدود التوافق بين الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية.
وتؤكد أبوظبي رسميًا دعمها لوحدة اليمن، وتنفي أي تورط مباشر في عمليات خارج إطار التحالف، فيما تبقى هذه التطورات محل قراءات وتحليلات متباينة.
مع اندلاع أحداث الربيع العربي، شكلت السعودية والإمارات جبهة موحدة ضد الحركات الإسلامية، ونشرتا قوات مشتركة في البحرين لإخماد الاحتجاجات، كما نسقتا الدعم لإطاحة الجيش المصري بحكومة الإخوان المسلمين عام 2013. كان هذا التحالف انعكاسًا لوحدة الرؤية السياسية، حيث ترى كل من الرياض وأبوظبي في الاستقرار السياسي الداخلي حجر زاوية للأمن الإقليمي.
أطلقت الدولتان تدخلًا عسكريًا لإعادة الحكومة الشرعية بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء. تولت الإمارات العمليات البرية بينما سيطرت السعودية على العمليات الجوية. هذا التعاون العسكري كان مثالاً على تكامل القدرات، لكنه وضع الأساس لاحقًا لتباين الاستراتيجيات بين الطرفين.
قاد البلدان مقاطعة قطر متهمين إياها بدعم الإرهاب، وهو ما نفته الدوحة. عززت هذه الخطوة التوافق بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الإمارات محمد بن زايد، لكنها وضعت الأساس لاحقًا لمنافسة نفوذية داخل مجلس التعاون الخليجي.
سحبت الإمارات قواتها مع الاحتفاظ بالنفوذ عبر المجلس الانتقالي الجنوبي. ترك هذا القرار السعودية تتحمل العبء الأكبر للحرب ضد الحوثيين، مع ظهور أولى بوادر اختلاف الاستراتيجيات بين الحليفين.
طبّعت الإمارات علاقاتها مع إسرائيل، بينما تمسكت السعودية بدعم حل الدولتين للفلسطينيين. هنا بدأت أبوظبي تبني قنوات دبلوماسية مستقلة مع واشنطن، ما ساهم في تغيير توازن القوة داخل التحالف الخليجي.
وافقت الإمارات على المصالحة الخليجية على مضض، وهو مؤشر على وجود توترات داخلية في السياسات الخليجية، حيث تمثل المصالح الاقتصادية والسياسية خطوط توتر محتملة.
تحدت الرياض هيمنة دبي التجارية، وطلبت من الشركات الأجنبية نقل مقارها الإقليمية إلى المملكة بحلول 2024. وألغت الامتيازات الجمركية التفضيلية، مما أثر على النموذج التجاري الإماراتي. كما نشب نزاع نادر في أوبك حول إنتاج النفط، مع إصرار الإمارات على رفع مستوى الأساس للإنتاج.
خلال الحرب في السودان، استضافت الرياض محادثات لوقف إطلاق النار لدعم الجيش، بينما اتهمت الأمم المتحدة الإمارات بتسليح قوات الدعم السريع المنافسة، ما يعكس استمرار الاختلافات الإستراتيجية في الخارج، وهو مؤشر على أن التحالف ليس محصنًا أمام التنافس النفوذي.
في 8 ديسمبر، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً على حقول النفط في حضرموت، وهو ما اعتبرته السعودية “خطًا أحمر”. وفي 30 ديسمبر، شنت مقاتلات سعودية غارة على ميناء المكلا لاستهداف دعم عسكري خارجي للانفصاليين، في أول مواجهة مباشرة بين مصالح الشريكين.
وتؤكد أبوظبي رسميًا دعمها لوحدة اليمن، وتنفي أي تورط مباشر في عمليات خارج إطار التحالف، فيما تبقى هذه التطورات محل قراءات وتحليلات متباينة.”
إذا ما نظرنا إلى العلاقة السعودية الإماراتية من منظور فلسفي، يمكن تشبيهها بعلاقة “الأخوة في القوة”، حيث يتطلب التحالف توافقًا مستمرًا بين القيم والمصالح. لكن، كما تقول نظرية “التوازن الاستراتيجي” في العلاقات الدولية، فإن أي تباين في الأهداف قد يؤدي إلى تحولات عميقة في طبيعة التحالف. ما نراه اليوم هو لحظة اختبار لهذه العلاقة، حيث تتلاقى المصالح الاقتصادية، النفطية، والسياسية مع المتغيرات الإقليمية في اليمن، السودان، وقطر.
يظهر التاريخ أن التحالفات الخليجية ليست ثابتة، بل هي ديناميات متغيرة، تخضع لتقييم مستمر لمصالح كل طرف. وهذا التوتر الحالي يمثل انعكاسًا لمواجهة قديمة بين الاستقرار المشترك والتطلعات الوطنية، وهو درس في أن القوة المشتركة تحتاج دائمًا إلى إدارة دقيقة للتناقضات الداخلية.
بين الأشقاء والخصوم، تظل العلاقة السعودية الإماراتية حجر زاوية لاستقرار الخليج. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة في اليمن إلى أن أي اختلال في التفاهمات قد يؤدي إلى تصعيد مفتوح على المستوى الإقليمي. هذه العلاقة، بما تحمله من تاريخ مشترك ومصالح استراتيجية، تظل اختبارًا مستمرًا لمفهوم “التحالف الأخوي” في السياسة الدولية الحديثة.
محمد فال معاوية – باحث في الشؤون السياسية والدولية

في عالم يشهد أزمات متلاحقة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والبيئية، يقف المثقف العربي أمام سؤال وجودي وعميق: ما هو دوره الحقيقي في مواجهة هذه التحديات؟ هل هو مجرد مراقب ومفسر للواقع، أم أنه فاعل يستطيع إحداث تغييرات ملموسة؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة لحياة المجتمعات العربية ومستقبلها. الأزمات الاقتصادية: حين يصبح [...]

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التصريحات السياسية مع الحسابات العسكرية، مما يرفع منسوب القلق العالمي. فبينما يقلل دونالد ترامب من صعوبة إعادة فتح مضيق هرمز في حال إغلاقه أو تعطيله، يرى محللون عسكريون واستراتيجيون أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات ميدانية وسياسية تجعل أي تحرك أمريكي محفوفًا بمخاطر التصعيد واسع النطاق، وربما الانزلاق إلى مواجهة [...]

في لحظة توتر غير مسبوقة، تدقّ الصحافة البريطانية ناقوس الخطر بشأن مستقبل الشرق الأوسط، محذّرة من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى وتدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانهيار. في افتتاحيتها، ترسم صحيفة الإندبندنت صورة قاتمة لمشهد يتصاعد بسرعة، معتبرة أن الولايات المتحدة فتحت ما يشبه “صندوق باندورا” في المنطقة، في [...]

في لحظةٍ تختلط فيها السياسة بالوهم، وتتصادم فيها السرديات مع الوقائع، يقف دونالد ترامب أمام واحدة من أكثر لحظاته تعقيدًا منذ دخوله عالم السياسة. فالرجل الذي بنى مسيرته على تحويل التصورات إلى “حقائق”، يجد نفسه اليوم في مواجهة حرب لا تخضع لقواعد الخطاب، ولا تنحني لقوة التكرار. منذ اندلاع المواجهة مع إيران، لم يتردد ترامب [...]

في لحظة إقليمية مشبعة بالتوترات والتحولات المتسارعة، برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمسرح لحدث دبلوماسي لافت، قد لا يقتصر تأثيره على مسار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بل يمتد ليؤسس لتوازنات جديدة تعيد رسم ملامح المنطقة. ففي اجتماع بدا للوهلة الأولى اعتياديًا، اجتمع وزراء خارجية أربع دول محورية—مصر، السعودية، تركيا، وباكستان—لكن ما جرى خلف الأبواب [...]

في لحظةٍ تبدو فيها خرائط العالم ثابتة على الورق، تتحرك على أرض الواقع خطوط خفية ترسم ملامح القوة والنفوذ. وفي قلب هذه الخطوط، يبرز مضيق باب المندب بوصفه أحد أكثر النقاط حساسية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، لكنه يتحكم في مصير مليارات الدولارات من التجارة العابرة يوميًا. هذا المضيق الذي [...]