
لم تشكّل أحداث مثل حرب «طوفان الأقصى»، و«حرب الإسناد»، وسقوط النظام السوري مجرد صراعات عسكرية ضخمة فحسب، بل كانت أيضًا زلزالًا أيديولوجيًا، إذ انهارت السرديات الراديكالية التي هيمنت لعقود على المنطقة. الإخوانية السنية ممثلة بحركة «حماس» أصيبت بضربة قوية، شاركتها فيها مأساة القضية الفلسطينية التي أعادت قراءة الإيديولوجيا الإسلامية، بينما تعرضت الشيعية الراديكالية، ممثلة بـ«حزب الله»، لضربة مماثلة مع تراجع دور لبنان كمركز ميليشيوي. وبالمثل، انتقلت البعثية السورية إلى مثواها الأخير، فيما النظام الإيراني تكبد صدمة على مستوى القيم والمصالح الاستراتيجية.
هذا الانهيار ليس مجرد فراغ، بل يشير إلى إعادة تأسيس المعاني، وإعادة تعريف الزمن السياسي والاجتماعي والثقافي. لم تعد السرديات الكبرى صالحة لتفسير العالم، ولم تعد الشعوب تتلقف وعود الماضي. فغياب الأيديولوجيات التقليدية يفتح المجال أمام صراعات جديدة على السلطة، ويجعل البحث عن مشروع جماعي متماسك تحديًا مركزيًا للمنطقة.
وقال د. كمال الهاشمي – باحث ومستشار في شؤون الشرق الأوسط والتحولات السياسية والفكرية لموقع اليوم ميديا: “ما نشهده اليوم هو مرحلة ما بعد الأيديولوجيا بالفعل؛ السرديات الكبرى التي هيمنت لعقود – القومية العربية، الإسلام السياسي، وحتى الطائفية المتشددة – فقدت مصداقيتها أمام الشعوب. هذا الفراغ ليس مجرد غياب، بل يمثل فرصة حقيقية لإعادة تأسيس الدولة والمجتمع والهوية، بعيدًا عن الوعود الزائفة للماضي. لكنه في الوقت ذاته محفوف بالمخاطر، إذ يمكن أن يتحول إلى صراع جديد على السلطة والمعنى بين القوى المختلفة.”
ويضيف الهاشمي: “التحدي الأكبر هو قدرة النخب السياسية والمجتمعية على ملء هذا الفراغ برؤية استراتيجية مستدامة، لا مجرد مشاريع آنية أو شعبوية، وإلا فإن المنطقة ستظل أسيرة دورة الفراغ والصراع على المعنى، بدلًا من تحقيق الاستقرار والتنمية”.
في ضوء ذلك، يتضح أن الفراغ الأيديولوجي يخلق مساحة مزدوجة للتحدي والفرصة: تحدٍ لأنه يترك شعوب المنطقة بلا خارطة واضحة للمعنى والمستقبل، وفرصة لأنه يسمح بإعادة بناء المشروع السياسي والاجتماعي على أسس عقلانية، بعيدة عن أساطير الماضي أو الشعارات الرنانة التي لم تنتج إلا الفشل والتمزق.
يمكننا ملاحظة آثار هذا الانهيار في الوعي الجمعي، حيث يبدو أن الشعوب تبحث عن مشاريع بديلة لتفسير الأحداث، بعيدًا عن الاستعانة بالوعود الأيديولوجية التقليدية. لكن الواقع المؤسف أن غياب الأيديولوجيا لا يعني نهاية الصراع أو الاستغلال. على العكس، فإن القوى المحلية والإقليمية والدول الكبرى تسعى لملء الفراغ وفق مصالحها، سواء عبر أدوات عسكرية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو حتى ثقافية.
من زاوية فلسفية، يشير هذا التحول إلى ضرورة إعادة التفكير في التكنولوجيا كإيديولوجيا بحد ذاتها، كما رآه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر. فالتكنولوجيا لا تقتصر على كونها أدوات، بل هي طريقة تاريخية لرؤية العالم والتعامل معه: الأنهار تصبح احتياطيًا للطاقة، الغابات مخزونًا للخشب، والبشر أنفسهم يتحولون إلى موارد قابلة للاستخدام. وهكذا، في غياب الإيديولوجيات التقليدية، قد نجد أن التكنولوجيا نفسها تشكل سردًا جديدًا عن العالم، لكنها سرد يفتقر إلى البعد الإنساني والروحي الذي توفره الأيديولوجيات السابقة.
في سياق الواقع، هذا الفراغ يضاعف صعوبة إيجاد بدائل حقيقية. فإسرائيل، على سبيل المثال، خرجت من الصراعات الأخيرة منتصرة على المستويين العسكري والأيديولوجي، مع وعي استراتيجي متقدم، مما يزيد من صعوبة المنطقة في إيجاد توازن واستقرار. البعض قد يقلل من أهمية الفراغ الأيديولوجي معتقدًا أن الزمن الحاضر هو زمن التكنولوجيا والحيادية، لكن هذا فهم ناقص، لأن التكنولوجيا نفسها تتطلب مشروعًا قيميا واستراتيجيًا لتوجيهها بما يخدم مصالح المجتمعات، وليس الهيمنة الخارجية فقط.
وفي النهاية، يمكن القول إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة ما بعد الأيديولوجيا: مرحلة تحتاج إلى رؤية شاملة، وإدارة ذكية، ووعي استراتيجي حقيقي، كي لا يتحول الفراغ إلى صراع دائم على السلطة والمعنى، ولتستطيع شعوب المنطقة تحويله إلى فرصة لإعادة بناء المستقبل، بعيدًا عن أعمدة الماضي التي انهارت تحت وطأة التاريخ والواقع.
المصدر: فريق التحرير – اليوم ميديا

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]