
قبل أن تبدأ الحرب الروسية على أوكرانيا، كانت المؤشرات الاستخباراتية الأمريكية والبريطانية تشير بوضوح إلى أن فلاديمير بوتين يخطط لغزو شامل. على الرغم من أن هذه التحذيرات كانت دقيقة، إلا أن العديد من الدول الأوروبية، وحتى الحكومة الأوكرانية نفسها، لم تصدقها في البداية، معتبرة أن احتمال نشوب حرب واسعة في القرن الحادي والعشرين أمر بعيد المنال.
كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) قد جمعتا معلومات دقيقة من مصادر متعددة، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية، ومراقبة تحركات القوات الروسية، واعتراض الاتصالات العسكرية، وربما معلومات بشرية محدودة داخل الدائرة المقربة من بوتين، بحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان.
في خريف عام 2021، وبعد أشهر من الترقب والمراقبة، أرسل الرئيس الأمريكي جو بايدن ويليام بيرنز، مدير وكالة المخابرات المركزية، إلى موسكو لتحذير بوتين من العواقب الكارثية لأي عدوان محتمل على أوكرانيا. لم تتوفر مقابلات شخصية مباشرة كما في الماضي، إذ كان بوتين قد عزف عن اللقاءات المباشرة، مكتفيًا بالمكالمات الهاتفية عبر خطوط آمنة، وهو ما أعقد مهمة بيرنز في محاولة إقناعه بخطر الغزو. وأثناء المكالمة، لم يتأثر بوتين بالتحذيرات، بل استمر في تبرير موقفه بالقول إن الولايات المتحدة تسيطر على العالم وأن روسيا ضعيفة، مشيرًا إلى تحركات السفن الحربية الأمريكية قرب السواحل الروسية.
على الرغم من تجاهل بوتين للتحذيرات، كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية تحلل كل تحرك وكل إشارة لتحديد خطط الغزو بدقة. بدأت ملامح هذه الخطة تتضح خلال ربيع وصيف 2021، مع تعزيز القوات الروسية على طول الحدود مع أوكرانيا وفي شبه جزيرة القرم، تحت ذريعة إجراء تدريبات عسكرية. إلا أن التقديرات الأمريكية والبريطانية أشارت إلى أن الهدف كان أكبر بكثير، فبوتين كان يسعى للسيطرة على كييف وإحداث تغيير نظامي في أوكرانيا.
في نوفمبر من نفس العام، اجتمع كبار مسؤولي الناتو في بروكسل، حيث عرضت الولايات المتحدة وبريطانيا تقييماتها الاستخباراتية المتزايدة الخطورة بشأن الغزو الروسي المحتمل. رغم هذا، بقيت الغالبية العظمى من الحلفاء الأوروبيين متشككة، متأثرة بذكريات حرب العراق عام 2003 والتحذيرات الاستخباراتية التي ثبت لاحقًا عدم دقتها في ذلك الوقت. كان الفرق الأساسي بين الولايات المتحدة وأوروبا يكمن في تحليل الموقف: بينما ركز الأمريكيون والبريطانيون على ما يمكن أن يفعله بوتين، انطلق الأوروبيون من فكرة أن الغزو أمر غير محتمل، وأن القوة الروسية غير كافية لتحقيق مثل هذه السيطرة السريعة.
في أوكرانيا، كان الوضع مشابهًا. الرئيس فولوديمير زيلينسكي، رغم تلقيه تحذيرات مفصلة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز MI6، رفض تصديق أن الغزو الروسي وشيك. كان زيلينسكي يركز على استقرار الاقتصاد ومنع ذعر المواطنين، بينما بدأت أجهزة الاستخبارات الأوكرانية رصد مؤشرات غير مسبوقة لاستعداد موسكو، مثل استهداف الموظفين المدنيين والسياسيين والتجنيد المكثف للاحتياطيين.
بحلول يناير 2022، أصبحت الصورة أوضح: القوات الروسية تتجه نحو الحدود من عدة محاور، وتستعد وحدات جوية للهبوط قرب مطار هوستوميل خارج كييف، كما كانت هناك خطط لاغتيال شخصيات سياسية بارزة. سافر ويليام بيرنز ووفد استخباراتي أمريكي إلى كييف لإبلاغ زيلينسكي بهذه المخاطر بشكل مباشر، لكن الرد ظل متحفظًا. كانت المعلومات الاستخباراتية دقيقة، لكن القيادة الأوكرانية، مدفوعة جزئيًا بعدم التوحيد في مواقف الحلفاء الغربيين، رفضت اتخاذ خطوات عاجلة، مثل فرض الأحكام العرفية، التي كانت ستتيح إعادة تنظيم القوات ووضع خطط فعالة للدفاع عن العاصمة.
حتى اللحظات الأخيرة قبل الغزو، لم يكن معظم القادة الأوروبيين مقتنعين بجدية الوضع، بينما كانت التحركات الروسية تتسارع. بدأت بعض السفارات الغربية في كييف بسحب موظفيها، وتحريك المعدات الحساسة، استعدادًا لسيناريو تصعيد شامل. رغم هذا، استمرت فرنسا وألمانيا في محاولة التفاوض مع بوتين، معتقدة أنه من الممكن تجنب الحرب عبر الدبلوماسية، وهو ما ثبت لاحقًا أنه وهم قاتل.
في 21 فبراير 2022، جمع بوتين مجلس الأمن القومي الروسي وأعلن بشكل رمزي عن الاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين، في خطوة أشبه بالتمهيد للحرب. بعد ذلك بيومين، أبلغت الاستخبارات الأوكرانية الرئيس زيلينسكي بوجود تهديد مباشر لحياته، بما يشير إلى اقتراب عملية اغتيال محتملة. لم تصدق القيادة الأوكرانية في البداية، لكنها بدأت تدريجيًا تحرك قواتها وتجهيز دفاعاتها، معتمدين على تدريبات سرية وعمليات تحصين حول كييف، استعدادًا لما كان سيصبح أكبر صراع أوروبي منذ الحرب العالمية الثانية.
هذه القصة تكشف عن نجاح استخباراتي استثنائي لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز MI6، في التنبؤ بخطط بوتين قبل أن يصدقها أحد. لكنها أيضًا درس عن كيفية استيعاب التحذيرات الاستخباراتية والتحديات التي تواجه التحليل السياسي والقيادة في مواجهة تحركات غير متوقعة للدول الفاعلة. تعكس الأحداث أيضًا أهمية جمع المعلومات من مصادر متعددة، تحليلها بشكل دقيق، وفهم السياق النفسي والسياسي للقادة، كما تبرز خطورة الاستهانة بالتهديدات في أوقات الأزمات الدولية.

في مدينة الفاشر، حيث كانت الحياة تسير يومًا بإيقاعها المعتاد، تحولت الشوارع إلى مسرح لمشاهد يصفها ناجون بأنها «ثلاثة أيام من الرعب». تحقيق دولي جديد ألقى الضوء على ما حدث هناك، مثيرًا سؤالًا ثقيلًا: هل شهدت المدينة واحدة من أخطر الجرائم الجماعية في النزاع السوداني؟ التحقيق الصادر عن الأمم المتحدة خلص إلى أن الهجمات التي [...]

في ظاهر المشهد الخليجي تبدو التوازنات مستقرة؛ تحالفات قائمة، واقتصادات صاعدة، وتنسيق أمني لا يزال يعمل تحت مظلة واحدة. لكن خلف هذا الهدوء النسبي، تتشكل دينامية جديدة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، دينامية لا تقوم على القطيعة ولا على التحالف الكامل، بل على ما يسميه بعض المراقبين «المنافسة المُدارة»، وهي حالة وسطى تعيد [...]

في الحروب، كثيرًا ما تختلط الروايات بالذاكرة، ويصعب التمييز بين ما هو موثّق وما يبقى عالقًا في شهادات من عاشوا الجحيم. لكن بعض القصص تظل قادرة على إثارة الصدمة حتى بعد مرور عقود، لأنها لا تتحدث فقط عن المعارك، بل عن الجانب الأكثر قتامة في الطبيعة البشرية. هكذا تعود إلى الواجهة روايات مرتبطة بحصار سراييفو [...]

في القاعة الكبرى التي تحتضن القمة السنوية لـ الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، لا تبدو الأحاديث الجانبية أقل أهمية من الكلمات الرسمية على المنصة. فخلف الملفات التقليدية المتعلقة بالتنمية والأمن ومكافحة الإرهاب، يخيّم سؤال غير معلن على أروقة القمة: هل أصبح القرن الأفريقي امتدادًا لتنافس جيوسياسي قادم من الخليج؟ خلال السنوات الأخيرة، تحوّلت منطقة القرن [...]

في حوار حصري أجراه موقع اليوم ميديا من لندن، يكشف الصحفي محمد فال معاوية، المتخصص في الشؤون الخليجية والمقيم في دولة الإمارات منذ أكثر من عقدين، كيف تعيد أبوظبي ترتيب أولوياتها بعد انسحابها من اليمن والخلافات الأخيرة مع السعودية والجزائر والصومال، وتأثير هذه التحولات على الاقتصاد الوطني وسوق العقارات في دبي. تكشف المقابلة عن استراتيجية [...]

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع دهاليز السياسة، بدا المشهد في الشرق الأوسط وكأنه يُعاد تشكيله على طاولة واحدة: طاولة تجمع واشنطن وتل أبيب، وتضع إيران في قلب المعادلة، بينما تتسلّل إلى الخلفية قضية داخلية تهدد مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي. ففي تصريحاتٍ حملت نبرة حذرة ممزوجة بالأمل، أعرب بنيامين نتنياهو عن اعتقاده أن تحركات [...]