
منذ سنوات، اعتادت المنطقة العربية أن ترى النفوذ يُفرض عبر الدبابات، والقرارات تُكتب في غرف العمليات العسكرية. لكن المشهد اليوم يتغير بهدوء لافت. من اليمن إلى سوريا، تتحرك السعودية بأسلوب مختلف، أقل ضجيجًا وأكثر تعقيدًا، مستندة إلى المال والاستثمار وإعادة ترتيب مراكز القوة بدل المواجهة المباشرة. في هذا التحول، لا يبدو المال مجرد أداة دعم، بل لغة سياسية كاملة، تحمل وعود الاستقرار كما تحمل مخاطر إعادة إنتاج الأزمات بأشكال جديدة.
في اليمن، وبعد خروج الإمارات من المشهد، وجدت السعودية نفسها اللاعب الوحيد القادر على الإمساك بملف بالغ التشابك. دولة ممزقة، فصائل مسلحة متعددة الولاءات، واقتصاد أنهكته الحرب حتى بات عاجزًا عن دفع رواتب أبسط موظفيه. هنا دخل المال السعودي كبديل عن القوة العسكرية المباشرة. مليارات الدولارات التي تحدثت عنها تقارير رويترز لم تُضخ فقط لإنقاذ حكومة معترف بها دوليًا، بل لإعادة رسم خريطة السيطرة والنفوذ داخل اليمن.
الرواتب لم تعد مجرد استحقاق وظيفي، بل أداة سياسية. من يتلقى الدعم يلتزم بالمسار، ومن يخرج عنه يجد نفسه معزولًا أو مُستبعدًا. بهذه الطريقة، تحاول الرياض إعادة إخضاع الفصائل المسلحة للسلطة المركزية، وتوحيد القرار العسكري، ومنع الانفلات الذي قد يقود إلى تفكك نهائي للدولة. المال هنا لا يعمل وحده، بل يتحول إلى شكل غير معلن من الحكم، يفرض الانضباط دون إعلان رسمي، ويُبقي القرار النهائي خارج الحدود اليمنية.
لم يكن المال وحده كافيًا لتحقيق هذه الأهداف، لذلك لجأت السعودية إلى مزيج دقيق من الترغيب والترهيب. القيادات السياسية والعسكرية اليمنية وجدت نفسها بين وعود سياسية مستقبلية، وإشارات واضحة بأن الخروج عن الخط المرسوم لن يمر بلا ثمن. استضافة شخصيات جنوبية بارزة في الرياض، توفير بيئة تفاوضية مريحة، والتلويح بإمكانية تقرير مصير الجنوب بعد تسوية الصراع مع الحوثيين، كلها كانت جزءًا من سياسة الجزرة.
في المقابل، لم تتردد الرياض في استخدام العصا حين شعرت بأن المسار مهدد. إقصاء شخصيات، تجميد أدوار، وفرض قيود مباشرة، في رسالة مفادها أن إدارة الملف اليمني لم تعد تحتمل المغامرات الفردية. الهدف لم يكن إنهاء الصراع بقدر ما كان ضبطه، ومنعه من الخروج عن السيطرة، وإبقاؤه ضمن حدود يمكن التحكم بها سياسيًا وأمنيًا.
لكن خلف هذه الحسابات السياسية، تظهر فاتورة اجتماعية واقتصادية ثقيلة. في مدن يمنية عديدة، باتت الحرب أكثر ربحًا من السلام. المقاتل يتقاضى راتبًا يفوق بأضعاف ما يحصل عليه المعلم أو الموظف المدني. التعليم يتراجع، والمهن المدنية تفقد قيمتها، بينما تُكافأ ثقافة السلاح والانخراط في القتال.
جيل كامل ينشأ وهو يرى أن البندقية طريق أسرع للعيش من الكتاب، وأن الانضمام إلى فصيل مسلح أكثر جدوى من إكمال الدراسة. هذه الحقيقة تجعل أي حديث عن السلام هشًا، لأن اقتصاد الحرب لا ينتهي بتوقيع اتفاق، بل يتطلب تفكيكًا طويل الأمد لمنظومة مصالح ترسخت على مدار عقد كامل من الصراع.
على الجبهة السورية، يبدو المشهد مختلفًا في الشكل، لكنه متقاطع في الجوهر. هنا، لم تدخل السعودية من بوابة السلاح أو الفصائل، بل من باب الاستثمار. مطارات تُعاد تأهيلها، شركات طيران مدني، شبكات اتصالات، ألياف ضوئية، مشاريع مياه وتحلية، كلها تشكل شبكة اقتصادية واسعة تهدف إلى إعادة ربط سوريا بالعالم بعد سنوات من العزلة.
وتشير تقديرات مراقبين إقليميين إلى أن هذه الحزمة الاستثمارية أثارت اهتمامًا دوليًا واسعًا، مع ملاحظات على قدرة الرياض على تحقيق توازن بين مصالحها الاقتصادية والسياسية وبين التحديات المحلية، ما يبرز البعد الإقليمي والدولي للصراعات والتحولات.
الرسالة واضحة. الاستقرار في سوريا، من وجهة النظر السعودية، لا يبدأ من السياسة، بل من الاقتصاد. خلق وظائف، إعادة تشغيل البنية التحتية، وتحريك عجلة الحياة اليومية، على أمل أن يؤدي ذلك إلى استقرار تدريجي يسبق أي تسوية سياسية شاملة. هنا، لا تُشترى الولاءات بالسلاح، بل بفرص العمل والاستثمار والاندماج الإقليمي.
رغم اختلاف الأدوات، يظل السؤال قائمًا. هل نحن أمام نموذج سعودي واحد يُطبّق بطرق مختلفة؟ في اليمن، المال لضبط السلاح وإدارة الفصائل. في سوريا، الاستثمار لبناء الثقة وإعادة الإدماج. في الحالتين، تسعى الرياض إلى لعب دور المهندس الإقليمي للاستقرار، مستفيدة من ثقلها المالي وقدرتها على التحرك في الفراغات التي تركها الآخرون.
لكن التجربتين تكشفان أيضًا حدود هذا النموذج. المال قادر على شراء الوقت، وتهدئة الجبهات، وإعادة ترتيب الأولويات، لكنه لا يضمن وحده سلامًا مستدامًا. المجتمعات الخارجة من الحرب تحتاج أكثر من التمويل، تحتاج إلى مصالحة حقيقية، وإعادة بناء للثقة، وتفكيك عميق لثقافة العنف التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.
اليوم، تبدو السعودية في موقع اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيرًا في ملفات معقدة كاليمن وسوريا. لكنها تقف أيضًا أمام اختبار تاريخي. إما أن ينجح هذا النهج في تحويل المال من أداة نفوذ مؤقتة إلى أساس لاستقرار طويل الأمد، أو أن يتحول إلى مجرد مسكن يؤجل الانفجار دون أن يمنعه. في الشرق الأوسط، حيث الذاكرة طويلة والجراح عميقة، يبقى السؤال مفتوحًا، بلا إجابة سهلة، وبلا ضمانات.

قبل ثماني ساعات، أعلنت جماعة الحوثي في اليمن تنفيذ هجوم صاروخي ثانٍ على جنوب إسرائيل خلال يوم واحد، في خطوة أثارت القلق الإقليمي والدولي بشأن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط. وبحسب المتحدث باسم الجماعة، يحيى سريع، فإن الهجوم استخدم “وابلاً من صواريخ كروز والطائرات المسيّرة” مستهدفًا مواقع عسكرية حيوية، تزامن مع عمليات نفذتها إيران وحزب [...]

في لحظة حاسمة من تاريخ السياسة الأمريكية، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه في مواجهة صعبة مع إيران، حيث يبدو أن غريزته وحدها تقود خطواته في ساحة الحرب، وهو نهج قد لا يجدي نفعاً في مواجهة نظام صامد ومعقد. الصور التي تصدر من المكتب البيضاوي تظهر ترامب مبتسمًا، مرتديًا بدلة رسمية وربطة عنق حمراء، خلفه العلم [...]

مع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير الماضي، تصاعدت الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي تجاه الموقف المصري من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. مستخدمون خليجيون، من بينهم مسؤولون سابقون وشخصيات عامة مؤثرة، اعتبروا موقف القاهرة غير واضح وغير متماسك، رغم صدور بيانات رسمية متكررة تؤكد دعم أمن الخليج ورفض أي انتهاك لسيادته. لكن [...]

مع بداية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران 2026 أواخر فبراير الماضي، تصاعد النقاش حول طبيعة الدور المصري تجاه دول الخليج. فقد ظهرت انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، من مستخدمين خليجيين وشخصيات مؤثرة في دوائر صنع القرار، وحتى مسؤولين سابقين، تتهم القاهرة بعدم القيام بما يكفي لمواجهة التحديات الإقليمية، وخصوصًا الهجمات الإيرانية على أراضي الخليج. تعكس [...]

مع بداية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران أواخر فبراير الماضي، تصاعد النقاش العربي والدولي حول طبيعة الدور المصري تجاه دول الخليج. فقد ظهرت انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، من مستخدمين خليجيين وشخصيات مؤثرة في دوائر صنع القرار، وحتى مسؤولين سابقين، تتهم القاهرة بعدم القيام بما يكفي لمواجهة التحديات الإقليمية، وخصوصاً الهجمات الإيرانية على أراضي الخليج. [...]

تبدو الأيام حبلى بالتحولات منذ أكثر من أسبوعين على بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، فيما تقف تركيا في قلب عاصفة إقليمية تحاول تفادي الانجراف إليها. تتزاحم الأسئلة حول موقف أنقرة، خصوصًا أن التصعيد سبقته إشارات إسرائيلية تتحدث عن تشكّل محور إقليمي جديد، ما وضع تركيا ضمن الحسابات المباشرة للصراع، حتى قبل أن تتضح معالمه. [...]