
في لحظةٍ تبدو فيها المنطقة وكأنها تعيد كتابة ملامحها السياسية تحت ضغط الأزمات المتلاحقة، جاءت الزيارة الخاطفة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الرياض للقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كتحركٍ يتجاوز بروتوكول الزيارات التقليدية، ليحمل في توقيته ورسائله أبعادًا سياسية أعمق بكثير مما أُعلن رسميًا.
الزيارة التي استغرقت ساعات معدودة فقط لم تكن حدثًا عابرًا في سياق العلاقات الثنائية، بل بدت أشبه بلقاءٍ عاجل لقراءة خريطة إقليمية تتغير بسرعة، في ظل تصاعد التوترات الدولية، وتزايد الحديث عن إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط، على وقع صراعات مفتوحة ومشاريع نفوذ متنافسة.
وجاء هذا التحرك متزامنًا مع زيارة رئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية تركي آل الشيخ إلى القاهرة ولقائه وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، في مؤشر يعكس أن مسار التقارب لا يقتصر على السياسة وحدها، بل يمتد ليشمل أدوات القوة الناعمة، من الثقافة إلى الإعلام، كجزء من بناء شراكة أكثر شمولًا.
لا يمكن فصل هذا الحراك عن بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فقبل أيام قليلة فقط، أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول تشكيل تحالفات إقليمية جديدة موجة واسعة من التساؤلات بشأن طبيعة الترتيبات التي يُراد للمنطقة أن تدخلها خلال المرحلة المقبلة.
وتزامن ذلك مع تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي خلال مقابلة مع الإعلامي تاكر كارلسون، تحدث فيها عن “حقوق تاريخية” لإسرائيل في المنطقة، وهي تصريحات زادت منسوب التوتر السياسي وأعادت إشعال النقاش حول مستقبل التوازنات الإقليمية.
وفي اتجاهٍ موازٍ، شهدت إثيوبيا تحركات دبلوماسية لافتة، مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ولقائه رئيس الوزراء آبي أحمد، حيث طُرحت ملفات حساسة تتعلق بالمنافذ البحرية والتوازنات في القرن الإفريقي، بعد زيارة سابقة لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود إلى أديس أبابا.
هذا التشابك في التحركات الدولية يضع المنطقة أمام مرحلة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الاقتصادية، وتتحول فيها الجغرافيا إلى عنصر ضغطٍ مباشر على القرار السياسي.
اللقاء بين السيسي وولي العهد السعودي عكس إدراكًا مشتركًا بأن المرحلة الراهنة تتطلب تنسيقًا أعمق بين العاصمتين اللتين تمثلان ركيزتين أساسيتين في معادلة الاستقرار العربي.
فالتحديات لم تعد محصورة في ملفات تقليدية، بل باتت تشمل تهديدات للممرات البحرية، وضغوطًا اقتصادية عالمية، وتصاعدًا في احتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي تطورات تفرض على القوى الإقليمية البحث عن صيغ تعاون أكثر مرونة وصلابة في آنٍ واحد.
كما لا يمكن إغفال أن الزيارة جاءت بعد لقاء السيسي مع رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد في أبوظبي، ما يعكس مسارًا دبلوماسيًا مصريًا نشطًا يهدف إلى تقليل فجوات التباين بين العواصم العربية وإعادة بناء أرضية تفاهم مشتركة في لحظة حساسة.
على طاولة النقاش حضرت ملفات الإقليم الساخنة، وفي مقدمتها تطورات الحرب في غزة، ومستقبل الترتيبات السياسية المرتبطة بالاتفاقات التي أُعلنت سابقًا في شرم الشيخ، وسط تعثر تنفيذ مراحلها اللاحقة وتعقّد المشهد الميداني.
كما فرضت التحركات الدولية، بما فيها الطروحات التي يجري تداولها داخل دوائر القرار في واشنطن، خاصة مع عودة اسم دونالد ترامب إلى واجهة النقاش السياسي، تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو إعادة رسم خرائط النفوذ أو نحو تسويات كبرى.
وفي خضم هذه التحولات، تتزايد الحاجة إلى بلورة موقف عربي أكثر تماسكًا، يمنع انزلاق المنطقة إلى مسارات صراع مفتوح، ويعزز القدرة على التعامل مع مشاريع التحالفات المتغيرة التي قد تُفرض من خارج الإقليم.
ويحذر مراقبون من أن غياب التنسيق قد يحول الشرق الأوسط إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الكبرى، وهو ما عبّر عنه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بتشبيه لافت حين قال إن الدول قد تجد نفسها “مائدة تُدار فوقها الصراعات بدل أن تكون طرفًا فاعلًا فيها”.
في المحصلة، لا تبدو زيارة السيسي إلى الرياض مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل جزءًا من حراك أوسع لإعادة ترتيب الأولويات وبناء توازن جديد في منطقة تقف على أعتاب مرحلة مختلفة؛ مرحلة عنوانها إعادة التموضع، وسباق التأثير، ومحاولة تجنّب الانزلاق إلى مواجهة قد تغيّر شكل الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.

قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن اسم عاصم منير يتردد خارج دوائر النخبة الأمنية في إسلام آباد. كان ضابطًا صلبًا في مؤسسة عسكرية اعتادت العمل بصمت، قبل أن يجد نفسه فجأة خارج دائرة الضوء، بعد إقالته من رئاسة جهاز الاستخبارات الباكستاني خلال فترة حكم عمران خان. حينها، بدا وكأن مسيرته وصلت إلى سقفها، أو ربما [...]

في ظل حرب غزة وتداعياتها السياسية والإنسانية المتصاعدة، عاد إلى واجهة النقاش داخل الاتحاد الأوروبي ملف بالغ الحساسية: اتفاقية الشراكة الموقعة مع إسرائيل منذ منتصف التسعينيات، والتي تُعد الإطار الناظم للعلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين الطرفين. ورغم أن الاتفاقية ظلت لعقود أحد أعمدة التعاون بين الجانبين، فإن التطورات الأخيرة في المنطقة دفعت بعض الدول الأوروبية [...]

في لحظة إقليمية تتداخل فيها الدبلوماسية مع الحسابات الأمنية، يبرز مضيق هرمز مجددًا كأحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، ليس فقط بوصفه ممرًا استراتيجيًا للطاقة العالمية، بل باعتباره أيضًا ورقة ضغط سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى هندسة التوازنات الإقليمية. وتعكس المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وفق تقديرات دبلوماسية ومصادر خليجية، [...]

في منتصف أبريل 2026، عاد اسم منظمة “شورات هادين” إلى واجهة الجدل الدولي بعد إعلانها التقدم بشكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، متهمة الحكومة الإسبانية بتسهيل تصدير معدات ذات استخدام مزدوج إلى إيران، قالت إنها قد تُستخدم في تصنيع متفجرات. ورغم أن الشكوى لم تُحدث في حد ذاتها تحولًا قانونيًا [...]

لم يكن إعلان الإمارات عن تفكيك تنظيم سري مرتبط بما يُعرف بـ"ولاية الفقيه" مجرد تطور أمني عابر، بل لحظة كاشفة لطبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد الصراعات تُخاض فقط عبر الجيوش أو القنوات الدبلوماسية، بل عبر شبكات معقدة تعمل داخل المجتمعات، وتستهدف إعادة تشكيل الوعي والولاءات. البيان الرسمي أشار إلى أن الخلية كانت [...]

لم يمر إعلان الجيش الإسرائيلي عن ما سماه “الخط الأصفر” داخل جنوب لبنان كحدث عابر في سياق المواجهات الحدودية، بل بدا وكأنه خطوة إضافية في مسار طويل من إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، في ظل تصاعد التوترات الميدانية وتداخل مسارات الحرب والهدنة في المنطقة. فبعد دخول اتفاق التهدئة حيّز التنفيذ، أعلن [...]