
في عمق الأحراش النائية غرب إثيوبيا، وعلى مسافة غير بعيدة من الحدود السودانية، تكشف صور الأقمار الصناعية وتقاطعات شهادات أمنية ودبلوماسية عن تطور بالغ الخطورة: معسكر تدريبي سري يُعد آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع السودانية، في مؤشر جديد على اتساع رقعة أحد أكثر النزاعات دموية في العالم وتحوله إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
تحقيق موسع أجرته وكالة رويترز، واستند إلى صور فضائية ووثائق أمنية وبرقيات دبلوماسية وشهادات أكثر من 15 مصدرا مطلعا، يقدّم أول دليل مباشر على انخراط إثيوبيا في الحرب الأهلية السودانية، وسط اتهامات بدعم إماراتي للمشروع، تنفيها أبوظبي رسميا.
تقع المنشأة العسكرية السرية في منطقة بني شنقول-قمز غرب إثيوبيا، وتحديدا في منطقة أحراش تُعرف باسم مينجي، على بعد نحو 32 كيلومترا من الحدود مع السودان. المنطقة، التي طالما وُصفت بالهامشية، تحولت خلال أشهر قليلة إلى مركز استقطاب عسكري كثيف.
صور الأقمار الصناعية تُظهر أن النشاط بدأ في أبريل 2025، مع إزالة الغطاء النباتي وبناء منشآت أولية بأسقف معدنية. لكن التحول الحقيقي وقع في أكتوبر، حين توسّع الموقع بشكل لافت، وبدأت الخيام العسكرية بالانتشار بوتيرة متسارعة.

بحسب تحليل صور التقطتها شركة فانتور الأمريكية في نوفمبر، يضم المعسكر أكثر من 640 خيمة، قادرة على استيعاب ما لا يقل عن 2500 مقاتل، مع تقديرات أمنية تشير إلى أن الطاقة القصوى للمعسكر قد تصل إلى 10 آلاف عنصر.
ثمانية مصادر، من بينها مسؤول حكومي إثيوبي كبير، أكدوا أن المعسكر يُستخدم لتدريب مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع، التي تخوض حربا مفتوحة ضد الجيش السوداني منذ 2023.
وتشير المعلومات إلى أن غالبية المجندين إثيوبيون، إلى جانب عناصر من السودان وجنوب السودان، وبعض المنتمين إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، رغم نفي قيادي بارز في الحركة وجود قوات تابعة لها داخل إثيوبيا.
ووفق مذكرة داخلية لأجهزة الأمن الإثيوبية اطّلعت عليها رويترز، كان 4300 مقاتل يتلقون تدريبات عسكرية في الموقع مطلع يناير 2026، مع توقعات بانضمامهم إلى جبهات القتال في ولاية النيل الأزرق السودانية.
شهادات مسؤولين عسكريين إثيوبيين تحدثت عن قوافل ضخمة شوهدت في نوفمبر، ضمت عشرات الشاحنات الثقيلة، بعضها نقل ما بين 50 و60 مقاتلا في الرحلة الواحدة.
صور الأقمار الصناعية أظهرت وجود 18 شاحنة كبيرة داخل المعسكر في 24 نوفمبر، تتطابق في تصميمها مع المركبات المستخدمة لنقل الجنود في الجيش الإثيوبي وحلفائه.
ورغم خطورة المعطيات، التزمت الحكومة الإثيوبية والجيش وقوات الدعم السريع الصمت، ولم ترد على طلبات رويترز للتعليق.
تذهب مصادر متعددة، بينها مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، إلى أن الإمارات مولت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعما لوجستيا، وهو ما ورد أيضا في برقية دبلوماسية ومذكرة أمنية.
كما أفاد مصدران بمشاهدة شاحنات تحمل شعار شركة جوريكا جروب الإماراتية للخدمات اللوجستية متجهة إلى المعسكر عبر مدينة أصوصا.
لكن أبوظبي نفت بشكل قاطع أي انخراط في الحرب السودانية، مؤكدة عبر وزارة خارجيتها أنها “ليست طرفا في الصراع ولا تشارك بأي شكل من الأشكال في الأعمال القتالية”.
على بعد 53 كيلومترا من المعسكر، يشهد مطار أصوصا أعمال تطوير واسعة منذ أغسطس 2025. صور الأقمار الصناعية تكشف عن حظائر طائرات جديدة، ساحات انتظار، وبنية تحتية يُعتقد أنها مخصصة للتحكم بالطائرات المسيّرة.
خبراء عسكريون أكدوا أن المنشآت تشبه تجهيزات موجودة في قواعد مسيّرات أخرى داخل إثيوبيا، فيما قال مسؤول إثيوبي رفيع إن الجيش يعتزم تحويل المطار إلى مركز عمليات للطائرات بدون طيار، ضمن شبكة تضم خمسة مواقع على الأقل.

مصادر دبلوماسية ربطت تطوير المطار بـدعم قوات الدعم السريع عبر الحدود، وسط معلومات غير مؤكدة عن تمويل إماراتي أيضا لأعمال التحديث.
يثير موقع المعسكر مخاوف إضافية، كونه يبعد نحو 101 كيلومتر فقط عن سد النهضة الإثيوبي، أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا.
ثلاثة مسؤولين ودبلوماسيين إقليميين حذروا من أن أي تصعيد عسكري في المنطقة قد يُعرّض السد لمخاطر مباشرة أو غير مباشرة، في ظل هشاشة المشهد الأمني.
اندلعت الحرب السودانية في 2023 نتيجة صراع على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأدت إلى مجاعة واسعة، فظائع ذات طابع عرقي، ونزوح ملايين المدنيين إلى دول الجوار.
ويؤكد محللون أن تعدد الداعمين الإقليميين لكلا الطرفين يفاقم الأزمة، ويحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، تهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله.
ما تكشفه صور الأقمار الصناعية والوثائق الأمنية ليس مجرد معسكر تدريب، بل بنية عسكرية متكاملة قد تغيّر موازين الحرب في السودان، وتفتح فصلا جديدا من الانخراط الإقليمي الخفي في النزاعات الأفريقية.
ومع استمرار الصمت الرسمي، يبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء هذا التصعيد… أم أن القرن الأفريقي يقف على أعتاب انفجار أكبر؟

قبل تسعة وسبعين عاماً، وقفت الولايات المتحدة في قلب أوروبا المدمرة لتطلق "خطة مارشال"، المشروع الذي أعاد بناء اقتصادات القارة ورسّخ النفوذ الأمريكي لعقود طويلة. اليوم، يعود الاسم نفسه إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس للاحتفاء بانتصار أمريكي، بل للتساؤل عما إذا كانت واشنطن بصدد تمويل خصمها التاريخي في الشرق الأوسط. الاتفاق الذي وقعه الرئيس [...]

بدا المشهد خلال الأشهر الماضية وكأنه تحقيق للحلم الإسرائيلي الأكبر؛ طائرات أمريكية وإسرائيلية تعمل جنباً إلى جنب، وتنسيق عسكري غير مسبوق، وتفاهم سياسي بلغ مستويات لم تعرفها العلاقات بين البلدين منذ قيام إسرائيل. لكن خلف هذه الصورة التي توحي بالقوة المطلقة، تتشكل قصة مختلفة تماماً؛ قصة قد تنتهي بانهيار أحد أكثر التحالفات تأثيراً في الشرق [...]

رغم ما تتمتع به أذربيجان من موقع جغرافي مميز عند تقاطع طرق التجارة بين الشرق والغرب، إلا أن صعودها كجسر يربط آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا وأوروبا لم يكن نتاج الجغرافيا وحدها، بل ثمرة استراتيجية متواصلة انتهجتها باكو منذ مطلع الألفية، وضخت خلالها استثمارات ضخمة لتطوير البنية التحتية للموانئ والسكك الحديدية والممرات اللوجستية، وأسهمت تلك [...]

لم تعد سوريا تُقرأ فقط من زاوية الحرب والدمار، بل بدأت تُطرح على طاولة الاقتصاد العالمي كسؤال مختلف تمامًا: هل يمكن لبلد أنهكته سنوات الصراع أن يتحول إلى أحد أهم مفاتيح سلاسل التوريد في المنطقة؟ الإجابة تبدأ من الجغرافيا. فعلى الخارطة، تبدو سوريا أقرب ما تكون إلى ممر ذهبي يختصر المسافات والكلفة. شبكة طرق برية [...]

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]