
في صباح بدا عاديًا في العاصمة الإثيوبية، حطّت طائرة رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في أديس أبابا، لكن الزيارة لم تكن بروتوكولية بقدر ما بدت رسالة سياسية متعددة الاتجاهات. جولة خاطفة، لقاءات سريعة مع الرئيس الإثيوبي تاي أتسكي سيلاسي ورئيس الوزراء آبي أحمد، ثم مغادرة… غير أن الأسئلة بقيت معلّقة في الهواء: ماذا تريد تل أبيب من أديس أبابا الآن؟ ولماذا هذا التوقيت تحديدًا؟
إثيوبيا ليست محطة عابرة في الحسابات الإسرائيلية. فهي بوابة القرن الأفريقي، والممر الخلفي نحو البحر الأحمر، والعاصمة السياسية للقارة بحكم احتضانها مقر الاتحاد الأفريقي. في معادلة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الأمن والاقتصاد، تبدو أديس أبابا عقدة لوجستية لا يمكن تجاهلها.
توقيت الزيارة لم يأتِ من فراغ. قبلها بأيام، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة الإثيوبية، في أول زيارة منذ أكثر من عقد، حاملاً حزمة اتفاقيات تعزز الحضور التركي في القرن الأفريقي. وقبل ذلك، نشطت تحركات سعودية لترسيخ تفاهمات تتعلق بأمن البحر الأحمر ووحدة الدول ورفض النزعات الانفصالية، في إشارة غير مباشرة إلى ملف “أرض الصومال”.
وسط هذا الزخم، بدت زيارة هرتسوغ وكأنها خطوة لضبط الإيقاع ومنع تآكل النفوذ الإسرائيلي لصالح قوى إقليمية تتحرك بسرعة. فتل أبيب تدرك أن القرن الأفريقي لم يعد هامشًا جيوسياسيًا، بل تحول إلى ساحة تنافس مفتوحة على الممرات البحرية وطرق التجارة العالمية.
أحد أبرز الملفات التي تتحرك فيها إسرائيل هو “أرض الصومال”. فتعزيز أي مسار يمنح هذا الكيان حضورًا أوسع يفتح أمام تل أبيب نافذة مباشرة على البحر الأحمر، ويمنحها موطئ قدم قريبًا من باب المندب. ومن هنا يمكن فهم محاولات استمالة إثيوبيا، الدولة ذات الثقل الإقليمي، لدعم هذا التوجه أو على الأقل عدم عرقلته.
لكن البعد التركي حاضر بقوة في خلفية المشهد. أنقرة تملك شبكة استثمارات واسعة في إثيوبيا، ونفوذًا عسكريًا وأمنيًا في الصومال، ما يمنحها هامش حركة مؤثر في التوازنات الإقليمية. بالنسبة لإسرائيل، فإن ترك الساحة خالية ليس خيارًا، لذلك تسعى إلى تقديم حوافز اقتصادية وأمنية تحافظ عبرها على شراكتها الاستراتيجية مع أديس أبابا.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن البحر الأحمر نفسه. فالممر الذي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس وباب المندب بات أكثر حساسية منذ حرب غزة وتصاعد التوترات الإقليمية. أي تموضع في القرن الأفريقي يعني عمليًا اقترابًا من خطوط الملاحة العالمية، ومن مفاصل التأثير في حركة التجارة والطاقة.
في الخلفية أيضًا يلوح ملف سد النهضة، بما يحمله من توتر بين القاهرة وأديس أبابا. هنا تحاول إسرائيل إبقاء قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، محافظة على توازن دقيق يمنحها أوراق تأثير غير مباشرة في واحدة من أعقد أزمات المنطقة.
تاريخيًا، لم يكن الحضور الإسرائيلي في أفريقيا وليد اللحظة. فمنذ ستينيات القرن الماضي سعت تل أبيب إلى بناء شبكات نفوذ في القارة، قبل أن تتراجع علاقاتها عقب حرب 1973، ثم تعود بقوة منذ تسعينيات القرن الماضي، وتتصاعد في عهد بنيامين نتنياهو الذي اعتبر أفريقيا أولوية استراتيجية.
اليوم، تعود إسرائيل إلى القرن الأفريقي بأدوات متنوعة: تعاون أمني، تدريب عسكري، استثمارات في الزراعة والطاقة، وشراكات تقنية. مزيج من القوة الصلبة والناعمة يهدف إلى تثبيت حضور طويل الأمد في واحدة من أكثر مناطق القارة حساسية.
في المحصلة، لا تبدو زيارة هرتسوغ إلى أديس أبابا حدثًا معزولًا، بل حلقة في سباق نفوذ يتسارع بين قوى إقليمية ودولية على مسرح القرن الأفريقي. السؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل تنجح تل أبيب في تحصين مكاسبها، أم أن خريطة التحالفات المتغيرة ستفرض واقعًا جديدًا يعيد رسم خطوط النفوذ في خاصرة العالم العربي الجنوبية؟

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]

في قلب شبكة معقدة تمتد من بنغازي إلى دبي ومالطا ولندن، يبرز اسم أحمد جاد الله بوصفه أحد أكثر الشخصيات الليبية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. رجل الأعمال الليبي، الذي يعيش حياة مترفة بين الطائرات الخاصة والفنادق الفاخرة، بات وفق تقارير دولية وأممية، لاعبًا محوريًا في شبكة مالية واقتصادية مرتبطة بمعسكر خليفة حفتر، وسط اتهامات [...]

بعد ثلاثة أشهر على بدء التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، تبدو الصورة في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحقق تقدمًا حقيقيًا نحو أهدافه الاستراتيجية، أم أنه يواجه مأزقًا سياسيًا وعسكريًا متصاعدًا قد يعيد رسم ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة. ورغم ما [...]

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات [...]

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]