
في لحظة إقليمية تشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، يبرز السودان مجددًا بوصفه أحد المفاتيح الرئيسة لإعادة تشكيل التوازن الجيوسياسي في البحر الأحمر وشرق أفريقيا. فالتطورات الميدانية والسياسية التي رافقت الحرب الدائرة في البلاد لم تعد شأنًا داخليًا محضًا، بل باتت ذات تأثير مباشر في حسابات قوى إقليمية ودولية، أعادت النظر في رهاناتها ومساراتها.
تشير معطيات المشهد إلى أن الحرب في السودان تجاوزت منذ وقت مبكر إطارها الداخلي، إذ ارتبطت بمصالح أطراف خارجية رأت في حالة الانقسام فرصة لإعادة صياغة الواقع السياسي والجغرافي للبلاد. غير أن صمود مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، أسهم في تعطيل هذه الرهانات، وأعاد طرح سؤال الاستقرار ووحدة الدولة بوصفهما عنصرين حاسمين في أمن الإقليم.
خلافًا لتقديرات سادت في دوائر غربية، افترضت حسمًا عسكريًا سريعًا، نجح الجيش السوداني في منع انهيار الدولة وإفشال سيناريو التفكيك. ويكتسب هذا التطور أهمية استثنائية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسودان، وثرواته الزراعية والمعدنية، وإشرافه على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، وهو البحر الأحمر.
هذا التحول الميداني مثّل نقطة انعطاف سياسية، نقلت الخرطوم من مرحلة إدارة الأزمة إلى البحث عن إعادة تموضع إقليمي يواكب واقع ما بعد الحرب.
في هذا السياق، جاءت تحركات رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ضمن رؤية تهدف إلى إعادة ترتيب علاقات السودان الخارجية بما يخدم مصالحه الاستراتيجية طويلة الأمد، ويؤمّن له مظلة سياسية واقتصادية وأمنية في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
شكّلت المملكة العربية السعودية المحطة الأولى في هذا المسار، في ظل تقاطع واضح للمصالح، خصوصًا في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر واستقرار خطوط الملاحة الدولية. ويفتح هذا التقارب المجال أمام تعاون اقتصادي واستثماري أوسع، مدعومًا بإمكانيات دول خليجية أخرى مثل قطر وسلطنة عُمان والكويت، بما يعزز قدرة السودان على الاندماج مجددًا في الأسواق الإقليمية.
كما يوفّر هذا البعد الخليجي للسودان هامش حركة سياسيًا، في ضوء الثقل الذي تتمتع به الرياض في دوائر صنع القرار الدولية.
أما الزيارة إلى مصر، فجاءت في إطار علاقة استراتيجية تقوم على وحدة المصير. فقد شكّل استقرار السودان عنصرًا أساسيًا في حسابات الأمن القومي المصري، سواء من زاوية الحدود المشتركة أو ملف مياه النيل. وخلال هذه الزيارة، أعادت القاهرة التأكيد على موقفها الداعم لوحدة السودان، في رسالة إقليمية واضحة تعكس حساسية المرحلة.
تزامنت هذه التحركات مع تصاعد الضغوط على إثيوبيا، التي وجدت نفسها أمام واقع إقليمي متغير، في ظل تراجع رهاناتها داخل السودان. ويرى مراقبون أن هذا السياق يفسر محاولات أديس أبابا إعادة فتح قنوات الحوار مع الخرطوم والقاهرة، تحسبًا لمرحلة جديدة قد تعيد رسم التوازنات في منطقة القرن الأفريقي.
الزيارة إلى تركيا حملت بدورها دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي. فأنقرة، التي ترتبط بالسودان بروابط تاريخية، تنظر إلى مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي والتجاري في أفريقيا. وتشير تصريحات ومواقف تركية سابقة إلى اهتمام بتوسيع مجالات التعاون الدفاعي، إضافة إلى دور فاعل للشركات التركية في إعادة إعمار البنية التحتية السودانية.
ويمثل هذا التعاون مسارًا ذا منفعة متبادلة، يتيح للسودان الاستفادة من الخبرات التركية، ويمنح أنقرة منفذًا أوسع نحو أسواق القارة الأفريقية.
إن تقاطع مصالح السودان مع كل من السعودية ومصر وتركيا يفتح المجال أمام تشكّل تحالف إقليمي مرن، يقوم على المصالح المشتركة لا على الاصطفافات الصلبة. تحالف من هذا النوع قد يسهم في تعزيز أمن البحر الأحمر، واحتواء بؤر التوتر في شرق أفريقيا، وإعادة التوازن إلى عدد من الملفات الإقليمية المعقدة.
في المحصلة، يبدو السودان مقبلًا على مرحلة جديدة، لا يكتفي فيها بتجاوز آثار الحرب، بل يسعى إلى إعادة تعريف موقعه الإقليمي. فالدولة التي نجحت في الصمود أمام أخطر تحدياتها الداخلية، تمتلك اليوم مقومات التحول من ساحة صراع بالوكالة إلى فاعل إقليمي مؤثر، يسهم في صياغة توازن جيوسياسي جديد في المنطقة، قوامه الاستقرار واحترام السيادة الوطنية.
موسى مهدي – باحث بريطاني في الشؤون الاقتصادية والسياسية

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]