
في قاعة أوروبية فخمة، حيث اعتادت الدبلوماسية أن تتحدث بلغة ملساء تخفي أكثر مما تُظهر، جاء الخطاب هذه المرة مختلفًا صريحًا إلى حد الصدمة وخاليًا من الزخارف التي لطالما غلّفت السياسات الكبرى. لم يكن مجرد عرض لرؤية سياسية عابرة، بل بدا وكأنه إعلان عن تحوّل عميق في تصور الغرب لدوره في العالم وعودة إلى مفردات ظن كثيرون أنها طويت مع نهاية الحرب العالمية الثانية مثل الهيمنة الغربية، المجال الحيوي، واستعادة المجد الإمبراطوري.
الطرح، كما يقرأه المراقبون، لا ينطلق من فراغ، بل من مراجعة انتقائية للتاريخ ترى في قرون التوسع الأوروبي قصة اكتشاف وابتكار، وتتجاهل في المقابل ما وثقته السجلات من حروب إبادة جماعية، واستعباد منظم للشعوب الأصلية، ونهب منظّم للموارد، وصياغة نظام عالمي قائم على اختلال جذري في موازين القوة، وذلك وفق تحقيق أعدته صحيفة Middle East Eye.
ويشير التحليل إلى أن الحديث عن تخلي الغرب عن الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية ليس دقيقًا بقدر ما هو تبسيط مريح، فالإمبراطوريات الأوروبية الخارجة من الحرب منهكة اقتصاديًا وعسكريًا لم تتخل تمامًا عن أدوات السيطرة، بل جرى نقل مركز الثقل إلى قوة صاعدة أعادت صياغة النفوذ بوسائل جديدة، مثل القواعد العسكرية بدل المستعمرات المباشرة، والمؤسسات المالية الدولية بدل الإدارات الاستعمارية، والنفوذ الاقتصادي والسياسي غير المباشر بدل الاحتلال التقليدي.
وهكذا تحوّل الاستعمار، في نظر المنتقدين، من صيغة صلبة إلى منظومة أكثر مرونة، قوة ناعمة حينًا وخشنة حينًا آخر، لكن هدفها بقي الحفاظ على مركزية القرار العالمي في يد الغرب، وهو ما يمثل استمرار الهيمنة الغربية بأساليب حديثة تتوافق مع السياسة الدولية المعاصرة.
خلال عقود الحرب الباردة، فرض التوازن النووي نوعًا من الانضباط القسري، ووجود قوة موازية حال دون انفلات الهيمنة إلى شكلها الصريح، فبقي الصراع ضمن حدود النفوذ غير المباشر، خشية الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تُفني الجميع. لم يكن ذلك تعبيرًا عن انتصار القانون الدولي بقدر ما كان اعترافًا عمليًا بخطورة العصر النووي، إذ أصبح التنافس الإمبراطوري غير المحسوب تهديدًا وجوديًا لا مجرد نزاع جيوسياسي.
مع انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، دخل العالم مرحلة الأحادية القطبية، وتوسع هامش الحركة أمام الولايات المتحدة الأمريكية بصورة غير مسبوقة، وظهرت تدخلات عسكرية متكررة في مناطق مختلفة من العالم، غالبًا تحت شعارات نشر الاستقرار أو حماية النظام الدولي. غير أن هذا التوسع ترافق مع تناقض واضح؛ خطاب يتحدث عن القواعد والمؤسسات وممارسة تعتمد على موازين القوة حين تتعارض القواعد مع المصالح.
وفي المقابل، تبنت قوى دولية أخرى خطابًا يركز على مفهوم السيادة بوصفه خط الدفاع الأخير أمام ما تعتبره تمددًا غربيًا، ومع تصاعد التوترات في أوروبا الشرقية وآسيا، عاد السؤال القديم: هل العالم ساحة توازن بين قوى متكافئة أم مجال نفوذ تحدده قوة واحدة؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل صار حاضرًا في النزاعات الجارية، وفي إعادة تشكيل التحالفات، وفي سباق التسلح الذي عاد يتسارع بوتيرة مقلقة، ما يجعل من التوازن العالمي والتحالفات العسكرية من أهم المحاور في السياسة الدولية المعاصرة.
ولا يفوت المراقبين ملاحظة أن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة يبدو أنهم في موقع ملتبس: من جهة مستفيدون من المظلة الأمنية والاقتصادية التي وفرتها القيادة الأمريكية لعقود، ومن جهة أخرى يدركون أن الإفراط في منطق القوة قد يقوّض النظام الذي ازدهروا في ظله.
هذا التوتر يفسر النقاشات الأوروبية المتزايدة حول الاستقلال الاستراتيجي، ومحاولات إعادة تعريف العلاقة مع واشنطن دون القطيعة، ومع تزايد التساؤلات عن مكانة القانون الدولي، يبرز السؤال: هل هو إطار ملزم للجميع أم منظومة تُفعّل حين تخدم التوازن وتُهمَل حين تتعارض مع المصالح الكبرى؟ التاريخ الحديث يُظهر أن الالتزام بالقواعد لم يكن ثابتًا، بل خاضعًا لحسابات القوة، وهو ما يفسّر تراجع الثقة العالمية في حياد المؤسسات الدولية.
العامل الأكثر خطورة في هذا التحول أن العالم الذي يشهد هذا التنافس ليس عالم القرن التاسع عشر، بل عالم يمتلك ترسانات نووية قادرة على إنهاء الحضارة خلال ساعات. ولهذا، فإن أي عودة إلى سياسات النفوذ المفتوح لا تعني فقط إعادة رسم الخرائط، بل احتمال الانزلاق إلى صدام لا يمكن احتواؤه. النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لم يُبن على المثالية وحدها، بل على خوف عميق من تكرار الكارثة، ومع تآكل ذلك الوعي، يزداد القلق من أن تُستعاد أدوات الصراع القديمة في بيئة أشد فتكًا.
العالم قد يكون بالفعل عند لحظة انتقالية: ليس عودة كاملة إلى الاستعمار الكلاسيكي، ولا استمرارًا للنظام الليبرالي الذي ساد بعد 1945، بل طور جديد تتداخل فيه الهيمنة مع التنافس، وتضعف فيه القواعد أمام حسابات القوة. وفي هذا الطور، لم يعد السؤال من سيقود العالم فحسب، بل أي نموذج سيحكمه: منطق الشراكة والقانون، أم منطق المجالات الحيوية والصراع المفتوح؟ وبين هذين الخيارين، يقف النظام الدولي على حافة إعادة تعريف نفسه أو إعادة إنتاج أزماته القديمة بصيغة أكثر خطورة.

في عالم يشهد أزمات متلاحقة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والبيئية، يقف المثقف العربي أمام سؤال وجودي وعميق: ما هو دوره الحقيقي في مواجهة هذه التحديات؟ هل هو مجرد مراقب ومفسر للواقع، أم أنه فاعل يستطيع إحداث تغييرات ملموسة؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة لحياة المجتمعات العربية ومستقبلها. الأزمات الاقتصادية: حين يصبح [...]

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التصريحات السياسية مع الحسابات العسكرية، مما يرفع منسوب القلق العالمي. فبينما يقلل دونالد ترامب من صعوبة إعادة فتح مضيق هرمز في حال إغلاقه أو تعطيله، يرى محللون عسكريون واستراتيجيون أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات ميدانية وسياسية تجعل أي تحرك أمريكي محفوفًا بمخاطر التصعيد واسع النطاق، وربما الانزلاق إلى مواجهة [...]

في لحظة توتر غير مسبوقة، تدقّ الصحافة البريطانية ناقوس الخطر بشأن مستقبل الشرق الأوسط، محذّرة من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى وتدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانهيار. في افتتاحيتها، ترسم صحيفة الإندبندنت صورة قاتمة لمشهد يتصاعد بسرعة، معتبرة أن الولايات المتحدة فتحت ما يشبه “صندوق باندورا” في المنطقة، في [...]

في لحظةٍ تختلط فيها السياسة بالوهم، وتتصادم فيها السرديات مع الوقائع، يقف دونالد ترامب أمام واحدة من أكثر لحظاته تعقيدًا منذ دخوله عالم السياسة. فالرجل الذي بنى مسيرته على تحويل التصورات إلى “حقائق”، يجد نفسه اليوم في مواجهة حرب لا تخضع لقواعد الخطاب، ولا تنحني لقوة التكرار. منذ اندلاع المواجهة مع إيران، لم يتردد ترامب [...]

في لحظة إقليمية مشبعة بالتوترات والتحولات المتسارعة، برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمسرح لحدث دبلوماسي لافت، قد لا يقتصر تأثيره على مسار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بل يمتد ليؤسس لتوازنات جديدة تعيد رسم ملامح المنطقة. ففي اجتماع بدا للوهلة الأولى اعتياديًا، اجتمع وزراء خارجية أربع دول محورية—مصر، السعودية، تركيا، وباكستان—لكن ما جرى خلف الأبواب [...]

في لحظةٍ تبدو فيها خرائط العالم ثابتة على الورق، تتحرك على أرض الواقع خطوط خفية ترسم ملامح القوة والنفوذ. وفي قلب هذه الخطوط، يبرز مضيق باب المندب بوصفه أحد أكثر النقاط حساسية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، لكنه يتحكم في مصير مليارات الدولارات من التجارة العابرة يوميًا. هذا المضيق الذي [...]