
لم تعد أزمة إيران مع محيطها الخليجي مجرّد جولة تصعيد عسكري عابر، بل تحوّلت إلى اختبار عميق لطبيعة دورها الإقليمي وحدود نفوذها السياسي. ففي لحظة تتعرض فيها طهران لضربات من الولايات المتحدة وإسرائيل، تختار في الوقت نفسه توسيع دائرة الاشتباك باتجاه دول الخليج، ما يفتح الباب أمام سؤال مركزي يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة: هل تدافع إيران عن نفسها، أم تُسرّع خسارتها لبيئتها العربية؟
المفارقة التي تحكم هذا المشهد أن التعاطف الشعبي العربي مع إيران، بوصفها طرفًا يتعرض لضغوط عسكرية خارجية، لا يترجم تلقائيًا إلى قبول بسلوكها الإقليمي. بل على العكس، يتآكل هذا التعاطف كلما اقتربت نيران المواجهة من المدن العربية، وتحولت من صراع جيوسياسي إلى تهديد مباشر لأمن المدنيين ومصالح الدول. وفي هذا التناقض الظاهري تتكشف معادلة أكثر تعقيدًا: يمكن التعاطف مع الضحية، ورفض ممارساتها في الوقت ذاته، حين تتجاوز حدود الدفاع إلى إلحاق الضرر بالآخرين.

في هذا السياق، تبرز التحولات الميدانية بوصفها اختبارًا حقيقيًا لصدقية الروايات. فحين تُستهدف مدن مثل الرياض، أبوظبي، دبي، الدوحة، البحرين، أو تسقط شظايا الصواريخ على أحياء سكنية، وتُسجَّل إصابات بين مدنيين من جنسيات مختلفة، يتراجع الخطاب القائل إن الضربات تقتصر على أهداف عسكرية. وتتحول الفجوة بين الرواية والواقع إلى أزمة ثقة سياسية وأخلاقية، لا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية نفسها.
ولفهم جذور هذا التوتر، لا بد من العودة إلى لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، هي الثورة الإيرانية 1979، التي نقلت إيران من موقع الدولة القومية التقليدية إلى مشروع ذي طابع أيديولوجي عابر للحدود. فقد تبنّى روح الله الخميني رؤية تقوم على تصدير الثورة، ما أعاد تعريف العلاقة مع الجوار العربي، وأدخلها في إطار أوسع من التنافس والنفوذ.
ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه السياسات إلى مصدر قلق دائم لدول الخليج، التي رأت فيها تهديدًا مباشرًا لاستقرارها الداخلي، ما دفعها إلى تعزيز شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وإعادة صياغة استراتيجياتها الدفاعية لمواجهة هذا النوع من التحديات غير التقليدية.
وتبلغ هذه التعقيدات ذروتها عند مضيق هرمز، الذي يشكّل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم للطاقة. فالملاحة عبر هذا الممر لا ترتبط فقط بأمن الإقليم، بل تمس مباشرة استقرار الأسواق العالمية، حيث تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز يوميًا، ما يجعل أي اضطراب فيه عامل ضغط مباشر على الاقتصاد الدولي.

وفي هذا الإطار، تجد دول كبرى مثل الصين والهند واليابان نفسها في موقع حساس، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج. وبالتالي، فإن أي تصعيد في هذا الممر لا يبقى محصورًا في الجغرافيا الإقليمية، بل يتحول إلى أزمة عالمية تتطلب تنسيقًا دوليًا واسعًا لضمان استقرار الإمدادات.
هذا الترابط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي يعزز من أهمية المضيق كأداة ضغط استراتيجية، لكنه في الوقت ذاته يضاعف من مخاطر أي مواجهة مفتوحة، نظرًا لتشابك مصالح أطراف دولية متعددة فيه، ما يجعل تداعياته تتجاوز قدرة أي طرف منفرد على التحكم بها.
في المقابل، لا تقف دول الخليج عند حدود رد الفعل، بل تعمل على إعادة تموضع استراتيجي يأخذ في الاعتبار طبيعة التهديدات المتغيرة. فإلى جانب تعزيز قدراتها الدفاعية، تسعى إلى تنويع تحالفاتها، وتوسيع أدواتها الدبلوماسية، بما يتيح لها التعامل مع التحديات من زوايا متعددة، وليس فقط من خلال المقاربة العسكرية.
ويعكس هذا التحول انتقالًا تدريجيًا من منطق الاحتواء إلى منطق المبادرة، حيث لم يعد الهدف مقتصرًا على امتصاص الضربات، بل على بناء منظومة ردع شاملة تشمل الأبعاد الاقتصادية والإعلامية والقانونية، إلى جانب البعد الأمني. هذا التنوع في الأدوات يمنح هذه الدول مساحة أوسع للمناورة، ويقلل من اعتمادها على خيار واحد في إدارة الأزمات.
في المقابل، تبدو حسابات طهران أكثر تعقيدًا، إذ تراهن على قدرة التصعيد المحدود على تحقيق مكاسب سياسية، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. غير أن هذا الرهان يظل محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظل تغير مواقف الأطراف الإقليمية والدولية، وتزايد حساسية البيئة المحيطة لأي اضطراب أمني.

أما على المستوى الدولي، فإن أزمة مضيق هرمز تفرض نفسها كاختبار حقيقي لقدرة النظام العالمي على حماية الممرات الحيوية. فاستقرار الملاحة لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، ما يستدعي مقاربات جماعية أكثر تنسيقًا بين القوى الكبرى.
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال المشهد في معادلة انتصار أو هزيمة مباشرة. فالصراع بين إيران وجوارها الخليجي يتخذ طابعًا تراكميًا، تتداخل فيه العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية. ومع كل تصعيد جديد، تتسع الفجوة في الثقة، ما يعيد تشكيل ملامح العلاقة بين الطرفين بشكل تدريجي.
ويبقى التحدي الأكبر في قدرة الأطراف على إدارة هذا التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الذي يمنع انهيار البيئة الإقليمية. فخسارة النفوذ لا تحدث دفعة واحدة، بل تتشكل عبر سلسلة من التحولات الصغيرة التي تعيد رسم خريطة التأثير في المنطقة بمرور الوقت.
دبي – محمد فال معاوية

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]