
مع بداية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران 2026 أواخر فبراير الماضي، تصاعد النقاش حول طبيعة الدور المصري تجاه دول الخليج. فقد ظهرت انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، من مستخدمين خليجيين وشخصيات مؤثرة في دوائر صنع القرار، وحتى مسؤولين سابقين، تتهم القاهرة بعدم القيام بما يكفي لمواجهة التحديات الإقليمية، وخصوصًا الهجمات الإيرانية على أراضي الخليج.
تعكس هذه الانتقادات فجوة في التوقعات بين الدور الذي تنتظره بعض دول الخليج من مصر، والإمكانات والاعتبارات التي تحكم القرار المصري، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. كما تبرز في الوقت ذاته تعقيد البيئة الإقليمية، حيث تتداخل التحالفات مع حسابات السيادة والمصالح الوطنية.
غير أن هذه التساؤلات لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع الذي تشكلت فيه أولويات السياسة المصرية خلال العقد الماضي.
في أعقاب الربيع العربي، دخلت مصر مرحلة من الاضطراب السياسي والاقتصادي العميق. بلغت الأزمة ذروتها مع حكم جماعة الإخوان المسلمين عام 2012، وما تلا ذلك من انقسامات داخلية حادة وتراجع في مؤسسات الدولة، ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في 2013، وجدت القاهرة نفسها على حافة أزمة شاملة تهدد بانهيار اقتصادي وفوضى سياسية ممتدة.

عانت مصر في هذه الفترة من تراجع حاد في الاحتياطي النقدي، وانخفاض الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، إلى جانب حالة من الاستقطاب السياسي الحاد. ومع تصاعد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، ازدادت المخاوف من إعادة تشكيل الدولة على أسس أيديولوجية، ما أثار قلقًا إقليميًا واسعًا، وأبرز الحاجة الملحة لدعم خارجي سريع وفعال.
في تلك اللحظة المفصلية، برزت الإمارات العربية المتحدة كأحد أبرز الداعمين لاستقرار مصر، ليس فقط عبر المساعدات المالية العاجلة، بل من خلال تبني رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة بناء الدولة المصرية وتعزيز قدرتها على تجاوز تداعيات المرحلة الانتقالية.
شمل هذا الدعم تعزيز المؤسسات الحكومية، توفير الاحتياجات الأساسية، والمساعدات المالية الطارئة مثل ودائع البنك المركزي وتغطية استيراد الوقود والمواد الغذائية، ما ساعد في تخفيف الضغط الاقتصادي على الحكومة في لحظة حرجة.
منذ صعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في 2013، تطورت العلاقات بين القاهرة وأبوظبي إلى مستوى غير مسبوق من التنسيق، قائم على تقاطع المصالح والرؤى تجاه قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة، مع قناعة مشتركة بأن استقرار مصر يمثل حجر الزاوية لأي توازن إقليمي مستدام.
وخلال هذه المرحلة، لم يقتصر الدور الإماراتي على الدعم المالي، بل تحول إلى شراكة استراتيجية كاملة، ترتكز على رؤية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات لدعم استقرار الدول الوطنية ومواجهة التحديات العابرة للحدود، وعلى رأسها الحركات الأيديولوجية والسياسية التي تهدد الأمن الإقليمي.
لم يقتصر الدور الإماراتي على المساعدات العاجلة، بل تطور إلى استثمارات استراتيجية طويلة الأمد في قطاعات حيوية داخل مصر. فقد ضخت شركات وصناديق إماراتية مليارات الدولارات في مجالات الطاقة، والعقارات، والبنية التحتية، والموانئ، والخدمات المالية.
هذه الاستثمارات لعبت دورًا حاسمًا في إعادة تنشيط الاقتصاد المصري، وتوفير فرص عمل، وتحسين البنية التحتية، كما عززت ثقة المستثمرين الدوليين في السوق المصرية. وساهمت في دعم احتياطيات النقد الأجنبي، واستقرار العملة، وتقليل حدة الأزمات الاقتصادية المتكررة.
بهذا المعنى، تحولت العلاقة الاقتصادية بين البلدين إلى نموذج للشراكة الاستراتيجية، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الأهداف السياسية والأمنية، مما جعل التحالف بين القاهرة وأبوظبي أكثر عمقًا واستدامة.
امتد تأثير التحالف المصري الإماراتي إلى الساحة الإقليمية، حيث لعب البلدان دورًا مشتركًا في ملفات عدة، من ليبيا إلى شرق المتوسط، وساهم هذا التنسيق في الحد من نفوذ الجماعات الإسلامية السياسية ودعم جهود إعادة بناء الدول المتأثرة بالصراعات.

كما ساهم التحالف بين مصر والإمارات في إعادة القاهرة إلى موقعها التقليدي كفاعل رئيسي في المنطقة بعد سنوات من التراجع، مما عزز قدرتها على التأثير في القضايا الإقليمية الكبرى. ومع ذلك، واجه هذا التحالف تحديات متعددة، من بينها الضغوط الاقتصادية المستمرة والتغيرات في البيئة الدولية، لكنه تمكن من التكيف والحفاظ على تماسكه، وهو ما يعكس قوة الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين البلدين وقدرتهما على مواجهة أزمات المنطقة بمرونة وثبات.
لم يكن تدخل أبوظبي في دعم القاهرة بعد 2013 مجرد استجابة ظرفية لأزمة عابرة، بل كان جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع لإعادة بناء التوازن في الشرق الأوسط. من خلال الجمع بين الدعم المالي والاستثمار طويل الأمد والتنسيق السياسي، أسهمت الإمارات في منع انهيار مصر، وترسيخ نموذج جديد للتحالفات العربية يقوم على الاستقرار والمصالح المشتركة.
ومع استمرار التحديات الإقليمية والدولية، يبدو أن هذا التحالف سيظل أحد الأعمدة الرئيسية في رسم ملامح النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
لندن – محمد فال معاوية

قبل تسعة وسبعين عاماً، وقفت الولايات المتحدة في قلب أوروبا المدمرة لتطلق "خطة مارشال"، المشروع الذي أعاد بناء اقتصادات القارة ورسّخ النفوذ الأمريكي لعقود طويلة. اليوم، يعود الاسم نفسه إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس للاحتفاء بانتصار أمريكي، بل للتساؤل عما إذا كانت واشنطن بصدد تمويل خصمها التاريخي في الشرق الأوسط. الاتفاق الذي وقعه الرئيس [...]

بدا المشهد خلال الأشهر الماضية وكأنه تحقيق للحلم الإسرائيلي الأكبر؛ طائرات أمريكية وإسرائيلية تعمل جنباً إلى جنب، وتنسيق عسكري غير مسبوق، وتفاهم سياسي بلغ مستويات لم تعرفها العلاقات بين البلدين منذ قيام إسرائيل. لكن خلف هذه الصورة التي توحي بالقوة المطلقة، تتشكل قصة مختلفة تماماً؛ قصة قد تنتهي بانهيار أحد أكثر التحالفات تأثيراً في الشرق [...]

رغم ما تتمتع به أذربيجان من موقع جغرافي مميز عند تقاطع طرق التجارة بين الشرق والغرب، إلا أن صعودها كجسر يربط آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا وأوروبا لم يكن نتاج الجغرافيا وحدها، بل ثمرة استراتيجية متواصلة انتهجتها باكو منذ مطلع الألفية، وضخت خلالها استثمارات ضخمة لتطوير البنية التحتية للموانئ والسكك الحديدية والممرات اللوجستية، وأسهمت تلك [...]

لم تعد سوريا تُقرأ فقط من زاوية الحرب والدمار، بل بدأت تُطرح على طاولة الاقتصاد العالمي كسؤال مختلف تمامًا: هل يمكن لبلد أنهكته سنوات الصراع أن يتحول إلى أحد أهم مفاتيح سلاسل التوريد في المنطقة؟ الإجابة تبدأ من الجغرافيا. فعلى الخارطة، تبدو سوريا أقرب ما تكون إلى ممر ذهبي يختصر المسافات والكلفة. شبكة طرق برية [...]

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]