
مع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير الماضي، تصاعدت الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي تجاه الموقف المصري من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. مستخدمون خليجيون، من بينهم مسؤولون سابقون وشخصيات عامة مؤثرة، اعتبروا موقف القاهرة غير واضح وغير متماسك، رغم صدور بيانات رسمية متكررة تؤكد دعم أمن الخليج ورفض أي انتهاك لسيادته. لكن هل تعكس هذه الانتقادات الحقيقة، أم أنها مجرد تفسير سطحي لبعض التغريدات والمواقف الإعلامية؟ وما هو الدور الحقيقي للإعلام المصري في صياغة هذا الخطاب؟
في المقابل، يرى بعض المحللين أن الخطاب الإعلامي المصري لم يعكس هذه المواقف بشكل كافٍ، ما أدى إلى اتهام الإعلام بـ “التعاطف مع إيران”. لكن مراجعة شاملة للخطاب الإعلامي والسياسة المصرية تظهر أن الصورة أكثر تعقيدًا من هذه التفسيرات السطحية.
الإعلام المصري ليس كتلة واحدة متجانسة، بل يشمل مجموعة متنوعة من الأصوات والتوجهات التي تعكس تعدد مؤسساته وأهدافه. فهناك الإعلام الرسمي، الذي يمثل الحكومة وينقل الموقف الرسمي الداعم لأمن الخليج واستقرار المنطقة، ويحرص على إبراز سياسات الدولة وبياناتها الرسمية تجاه الأزمات الإقليمية.

وفي المقابل، يقدم الإعلام الخاص الأخبار والتحليلات مع مساحة محدودة للانتقاد أو التعبير عن وجهات نظر مستقلة، ما يتيح بعض التنوع في الرؤية والتقييم. كما توجد الأصوات التحليلية المستقلة، والتي غالبًا ما تقدم رؤى واقعية وتحذر من الانجرار إلى صراعات عسكرية مباشرة، أو تركز على تحليل أسباب الصراع من منظور جيوسياسي أوسع، بما يوازن بين الموقف الرسمي والحقائق الواقعية على الأرض.
هذا التنوع يؤدي أحيانًا إلى تباين الخطاب الإعلامي، وهو ما قد يخلق انطباعًا لدى بعض المتابعين على أن الإعلام المصري يتعاطف مع إيران، في حين أن هذه الأصوات في واقع الأمر تمارس التحليل والتقييم الموضوعي، ولا تمثل التعبئة الإعلامية أو التضليل، بل جزء من استراتيجية إعلامية قائمة على الواقعية والرصانة في معالجة الأحداث الإقليمية.
القاهرة أكدت منذ الأيام الأولى للحرب أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. فقد أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزارة الخارجية بيانات تؤكد رفض أي اعتداء إيراني على دول الخليج، والدعوة إلى الحلول السياسية.
كما قام الرئيس بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر والسعودية، لتأكيد دعم مصر لأمن واستقرار المنطقة. ورافقه وزير الخارجية المصري في جولات إقليمية لبحث سبل احتواء التصعيد.
مع ذلك، يبقى السؤال: لماذا لم يظهر الإعلام المصري هذا الموقف بوضوح منذ البداية؟ السبب يكمن في الأسلوب التحليلي للإعلام، الذي يركز على تجنب التصعيد وتحليل المخاطر، ما قد يُفهم خطأً على أنه “تعاطف مع إيران”.

جزء كبير من الاتهامات الموجهة للإعلام المصري ينبع من مقتطفات مجتزأة ومنشورات فردية على منصات التواصل الاجتماعي، مثل “إكس”. من بين هذه الأمثلة، تغريدات بعض الشخصيات الخليجية التي وصفت الموقف المصري بأنه “غير كافٍ”، وكذلك خطبة عيد الفطر التي ألقاها حسين عبد الباري، رئيس قطاع الشؤون الدينية بوزارة الأوقاف، والتي فسرت بشكل خاطئ بأنها تميل للخطاب الشيعي، ما أفسح المجال للاتهامات بالتقارب مع إيران. يشير المحللون إلى أن هذه التفسيرات غالبًا ما تكون سطحية وعاطفية، ولا تعكس الموقف الرسمي لمصر.

تاريخ مصر الإقليمي يوضح دائمًا أنها دولة وساطة ودعم أكثر من كونها طرفًا مباشرًا في النزاعات. مثال واضح على ذلك كان خلال أزمة الكويت عام 1990، حيث شاركت القوات المصرية ضمن التحالف الدولي لتحرير الكويت بعد استشارة مجلس الدفاع الوطني وموافقة البرلمان.
وفي الحرب الأخيرة ضد إيران، اتبعت مصر نفس النهج، حيث قدمت “دعمًا ماديًا” لدول الخليج، بما يشمل الاستشارة، الوساطة، وتقديم قدرات لوجستية وتقنية، دون الانخراط المباشر في صراع عسكري مفتوح، خاصة أن دول الخليج نفسها لم تحارب بشكل مباشر.
الانتقادات الخليجية للموقف المصري تراوحت بين المطالبة بخطاب إعلامي أكثر وضوحًا وبين تصور دور مصري عسكري مباشر.
عبد الخالق عبد الله، الأكاديمي الإماراتي، يرى أن مصر كان بإمكانها تقديم دعم رمزي عسكري أو استشارات منذ البداية، لكنه يؤكد أن عدم المشاركة العسكرية لا يعني ضعف الموقف، بل يعكس استراتيجية التوازن والتحفظ.
اللواء السعودي السابق غانم القحطاني، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة طارق فهمي، يشيران إلى أن الخليج يمتلك قدرات دفاعية كبيرة، وبالتالي فإن أي تدخل مصري عسكري ليس ضروريًا، وأن الدور المصري الأهم يكمن في الوساطة واحتواء التصعيد.
أحد أبرز أسباب اتهام الإعلام المصري بالتعاطف مع إيران يكمن في نهجه الواقعي في تغطية الأحداث. فالإعلام يميل إلى التركيز على خطر التصعيد والحرب المفتوحة، ويحلل الصراع من منظور جيوسياسي بدل الانجرار إلى التعبئة الإعلامية، مع الدعوة المستمرة إلى الحلول السياسية والوساطة وتحذير من استنزاف المنطقة في مواجهات طويلة الأمد. ويؤكد إسلام عفيفي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم، أن الإعلام المصري يؤدي واجبه الوطني في حماية الأمن القومي العربي، وأن أي منشورات فردية على وسائل التواصل الاجتماعي لا تؤثر على العلاقات المصرية الخليجية.

اتهامات “تعاطف الإعلام المصري مع إيران” غالبًا ما تعكس سوء فهم لطبيعة الخطاب الإعلامي الذي يميل إلى التحليل الواقعي وتجنب التصعيد، دون التراجع عن الموقف الرسمي الداعم لأمن الخليج. المشهد الإعلامي المصري المتنوع مرتبط بسياسة خارجية متوازنة، ما يجعل التوازن في الخطاب ضرورة استراتيجية، بينما يبقى الدور المصري محوريًا في الوساطة والدعم لدول الخليج، مؤكداً قوة ومتانة العلاقات العربية-المصرية رغم الانتقادات العابرة.
لندن – محمد طارق سالم

مع بداية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران 2026 أواخر فبراير الماضي، تصاعد النقاش حول طبيعة الدور المصري تجاه دول الخليج. فقد ظهرت انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، من مستخدمين خليجيين وشخصيات مؤثرة في دوائر صنع القرار، وحتى مسؤولين سابقين، تتهم القاهرة بعدم القيام بما يكفي لمواجهة التحديات الإقليمية، وخصوصًا الهجمات الإيرانية على أراضي الخليج. تعكس [...]

مع بداية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران أواخر فبراير الماضي، تصاعد النقاش العربي والدولي حول طبيعة الدور المصري تجاه دول الخليج. فقد ظهرت انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، من مستخدمين خليجيين وشخصيات مؤثرة في دوائر صنع القرار، وحتى مسؤولين سابقين، تتهم القاهرة بعدم القيام بما يكفي لمواجهة التحديات الإقليمية، وخصوصاً الهجمات الإيرانية على أراضي الخليج. [...]

تبدو الأيام حبلى بالتحولات منذ أكثر من أسبوعين على بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، فيما تقف تركيا في قلب عاصفة إقليمية تحاول تفادي الانجراف إليها. تتزاحم الأسئلة حول موقف أنقرة، خصوصًا أن التصعيد سبقته إشارات إسرائيلية تتحدث عن تشكّل محور إقليمي جديد، ما وضع تركيا ضمن الحسابات المباشرة للصراع، حتى قبل أن تتضح معالمه. [...]

في قلب هذا الشرق المزدحم بالتاريخ والنزاعات، تتكرر الأسئلة كلما ارتفعت وتيرة الصواريخ وانخفض منسوب العقل: من يخسر؟ ومن يربح؟ وهل ما يجري اليوم مجرد جولة عسكرية عابرة، أم لحظة مفصلية تعيد رسم العلاقة بين إيران ومحيطها العربي، وخصوصًا دول الخليج؟ المشهد، كما يتبدّى من تداخل الوقائع والسياقات، ليس بسيطًا ولا خطيًا. فهناك تعاطف شعبي [...]

لم تعد أزمة إيران مع محيطها الخليجي مجرّد جولة تصعيد عسكري عابر، بل تحوّلت إلى اختبار عميق لطبيعة دورها الإقليمي وحدود نفوذها السياسي. ففي لحظة تتعرض فيها طهران لضربات من الولايات المتحدة وإسرائيل، تختار في الوقت نفسه توسيع دائرة الاشتباك باتجاه دول الخليج، ما يفتح الباب أمام سؤال مركزي يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة: هل تدافع [...]

منذ الضربة الجوية التي استهدفت منشآت حقل «بارس الجنوبي» في 18 مارس 2026، لم يعد المشهد في الشرق الأوسط قابلاً للقراءة ضمن حدود المواجهة الثنائية بين إيران وإسرائيل، بل اتسع ليأخذ شكل أزمة إقليمية مركبة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية، وتتشابك فيها مواقف القوى الكبرى مع توازنات دول الخليج. فقد شكّل هذا الهجوم، [...]