
في لحظةٍ تبدو فيها خرائط العالم ثابتة على الورق، تتحرك على أرض الواقع خطوط خفية ترسم ملامح القوة والنفوذ. وفي قلب هذه الخطوط، يبرز مضيق باب المندب بوصفه أحد أكثر النقاط حساسية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، لكنه يتحكم في مصير مليارات الدولارات من التجارة العابرة يوميًا.
هذا المضيق الذي يصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، ليس مجرد ممر مائي عابر، بل عقدة استراتيجية تختصر الجغرافيا السياسية للعالم. فمن خلاله تمر السفن القادمة من آسيا نحو أوروبا، والعكس، متخذة طريقها نحو قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية منذ افتتاحها في القرن التاسع عشر.
لكن ما يجعل باب المندب اليوم في صدارة المشهد ليس فقط موقعه، بل التحولات الأمنية التي تحيط به، خاصة مع تصاعد التوترات في المنطقة، وتزايد المخاوف من استهداف السفن التجارية، في ظل تهديدات جماعة أنصار الله الحوثية، التي باتت لاعبًا رئيسيًا في معادلة الأمن البحري في هذا الممر الحيوي.
من الناحية الجغرافية، يفصل المضيق بين قارتي أفريقيا وآسيا، حيث تقع جيبوتي على الضفة الغربية، بينما تمتد اليمن على الضفة الشرقية. وبينهما تقف جزيرة بريم كحارس صامت يقسم الممر إلى قناتين، إحداهما ضيقة وعميقة نسبيًا، والأخرى أوسع وأكثر ملاءمة لعبور السفن العملاقة.
ورغم بساطة هذا الوصف، فإن تعقيد المضيق يكمن في دوره الاقتصادي. فبحسب التقديرات، يمر عبر باب المندب أكثر من 21 ألف سفينة سنويًا، أي ما يقارب 57 سفينة يوميًا، تحمل على متنها النفط والغاز والبضائع من كل أنحاء العالم. هذه الأرقام لا تعكس فقط كثافة الحركة، بل تكشف أيضًا حجم الاعتماد العالمي على هذا الممر الضيق.
وتكمن الخطورة في أن أي اضطراب، مهما كان محدودًا، يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات متسلسلة على الاقتصاد العالمي. فتعطيل الملاحة في باب المندب لا يعني فقط تأخير الشحنات، بل يفرض على السفن سلوك طرق بديلة أطول، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما يزيد من كلفة النقل ومدة الشحن، ويؤثر بالتالي على أسعار السلع والطاقة في الأسواق العالمية.
وقد بدا هذا السيناريو قريبًا من الواقع مع تصاعد الهجمات في البحر الأحمر خلال الأشهر الأخيرة، حيث استهدفت سفن تجارية وناقلات نفط، ما دفع شركات شحن كبرى إلى إعادة تقييم مساراتها. وهنا يتضح كيف يتحول حدث أمني محلي إلى أزمة اقتصادية عالمية، في زمن تتشابك فيه سلاسل الإمداد بشكل غير مسبوق.
التحذيرات التي أطلقتها الولايات المتحدة تعكس هذا القلق، إذ أشارت إلى احتمال توسيع نطاق الهجمات ليشمل مضيق باب المندب نفسه، وهو ما يضع العالم أمام معادلة معقدة: كيف يمكن حماية أحد أهم الممرات البحرية دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع في منطقة تعاني أصلًا من توترات مزمنة؟
في هذا السياق، لا يمكن فصل أهمية باب المندب عن دوره في أمن الطاقة العالمي. فجزء كبير من صادرات النفط القادمة من الخليج تمر عبر هذا المضيق في طريقها إلى أوروبا والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن أي تهديد له يعني تهديدًا مباشرًا لإمدادات الطاقة، وهو ما ينعكس سريعًا على أسعار النفط والأسواق المالية.
لكن الأهمية الاستراتيجية لباب المندب لا تقتصر على الاقتصاد فقط، بل تمتد إلى البعد العسكري. فالدول الكبرى تدرك أن السيطرة على هذا الممر أو حتى التأثير فيه يمنح نفوذًا كبيرًا في موازين القوى الدولية. ولهذا السبب، تنتشر القواعد العسكرية في محيطه، خاصة في جيبوتي التي تستضيف قواعد لعدة دول، ما يجعل المنطقة واحدة من أكثر النقاط ازدحامًا بالقوى العسكرية في العالم.
ورغم ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الوجود العسكري، بل في طبيعة التهديدات نفسها. فالهجمات غير التقليدية، مثل استخدام الطائرات المسيرة أو الصواريخ قصيرة المدى، تجعل من الصعب تأمين الممر بشكل كامل، حتى مع وجود قوى بحرية متقدمة.
وفي قلب هذه المعادلة، تقف الحرب في غزة كعامل إضافي يزيد من تعقيد المشهد، إذ تحولت إلى نقطة اشتعال إقليمية امتدت تداعياتها إلى البحر الأحمر. ومع دخول أطراف جديدة على خط التوتر، تتزايد المخاوف من أن يتحول باب المندب إلى ساحة مواجهة مفتوحة، تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى باب المندب كمجرد ممر مائي، بل كمرآة تعكس توازنات العالم. فمن خلاله تتقاطع التجارة مع السياسة، والأمن مع الاقتصاد، والجغرافيا مع التاريخ. وكلما تصاعدت التوترات في محيطه، بدا واضحًا أن استقرار هذا المضيق ليس شأنًا إقليميًا فحسب، بل قضية عالمية تمس حياة الملايين حول العالم.
وبينما تتجه الأنظار إلى هذا الشريان الضيق، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع العالم حماية باب المندب من التحول إلى نقطة اختناق كبرى، أم أن الصراعات المتصاعدة ستعيد رسم خريطة التجارة العالمية من جديد؟
لندن – محمد فال معاوية

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]

بينما تنشغل المنطقة بتحولات سياسية وأمنية متسارعة، تتصاعد على الأرض تحركات جماعات استيطانية إسرائيلية تسعى إلى نقل نموذج الاستيطان من الضفة الغربية إلى الأراضي السورية المحتلة. وفي مقدمة هذه الجماعات تبرز حركة "حلوتسي هباشان"، التي بات اسمها يتردد بصورة متزايدة مع كل محاولة توغل جديدة داخل الجنوب السوري. وتعود بداية هذه التحركات إلى ما بعد [...]

قبل تسعة وسبعين عاماً، وقفت الولايات المتحدة في قلب أوروبا المدمرة لتطلق "خطة مارشال"، المشروع الذي أعاد بناء اقتصادات القارة ورسّخ النفوذ الأمريكي لعقود طويلة. اليوم، يعود الاسم نفسه إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس للاحتفاء بانتصار أمريكي، بل للتساؤل عما إذا كانت واشنطن بصدد تمويل خصمها التاريخي في الشرق الأوسط. الاتفاق الذي وقعه الرئيس [...]