
بينما تتأرجح السودان على شفير الصراعات الداخلية، وتحاصرها الأزمات الإنسانية والسياسية، تحول إكس تويتر سابقا إلى منصة لمعركة رقمية حقيقية. هنا لا تُطلق الصواريخ، بل التغريدات، ولا تُقصف المدن، بل تُستهدف سمعة الدول. المغردون السودانيون والإماراتيون يتبادلون الاتهامات، وتتشابك صور النزاع بين السياسة، الإنسانية، والدبلوماسية الرقمية، لتكشف عن صراع أيديولوجي وإقليمي جديد يوازي ما يحدث على الأرض.
المغردون السودانيون: اتهامات لدور الإمارات في النزاع
في هذا الصراع الرقمي، وجّه المغردون السودانيون أصابع الاتهام إلى الإمارات، متهمينها بدعم النزاعات المسلحة في بلادهم. أبرز الأمثلة كان على حساب مجلة ميم الأمريكية، حيث نشرت الناشطة تغريدة حادة: “علينا مقاطعة الإمارات العربية المتحدة. إنها تسلّح الحرب الدائرة في السودان. مئات آلاف النساء تعرّضن للاغتصاب والتعذيب، وملايين الناس شُرّدوا وقُتلوا، والإمارات شريك في ذلك.”
هذه التغريدة لم تكن مجرد كلمات، بل صاعقة إعلامية سلطت الضوء على أبعاد الأزمة الإنسانية في السودان، وعلى الدور المزعوم لدولة خليجية في زعزعة استقرار المنطقة.
المغردون الإماراتيون: الدفاع والهجوم على الإخوان
على الجانب الآخر، برز المغردون الإماراتيون للدفاع عن بلادهم، مؤكدين أنها نموذج للاستقرار والازدهار في منطقة تموج بالصراعات والفوضى.
لم يقتصر الدفاع على التفاخر بالإنجازات، بل شمل هجومًا مباشرًا على جماعة الإخوان المسلمين، التي يتهمونها بأنها وراء الهجمات الرقمية والسياسية على الإمارات وتسعى إلى زعزعة استقرار السودان والمنطقة: “مشكلتهم أنهم يسيرون ببطء ونحن نتحرك بسرعة الضوء… هم لا يكرهونك لشيءٍ.. بل لأنهم يعجزون عن فهم الحالة الإماراتية بكل قفزاتها الخارقة لهم”.
من بين التعليقات الإماراتية، لم يكتف بعض المغردين بالدفاع عن سياسات الدولة، بل شنوا هجومًا على جماعة الإخوان المسلمين، معتبرين أنها وراء الهجوم الرقمي والسياسي على الإمارات، وأنها تسعى لإرباك المنطقة.
السياسة والإعلام: إعادة صياغة السرديات الرقمية
تُظهر التغريدات كيف أصبحت المنصات الرقمية ساحة لإعادة كتابة الروايات الرسمية. على سبيل المثال، أعاد ضاحي خلفان، المسؤول الإماراتي البارز، التأكيد على فساد بعض الحكومات الأخرى مقارنة بالإمارات: “من تشوف بلاد فيها حروب والمسوول فيها يحارب منظمات الأمم المتحدة الإنسانية التي تقدم الرعاية للناس.. اعلم انه هذا الحاكم فاسد وجبار وقلبه ما فيه رحمة.”
تتحول التغريدة هنا إلى أداة لإعادة رسم صورة الدولة، وإبراز نجاحها في إدارة الأزمات، وتوجيه نقد لاذع للمنافسين السياسيين والإقليميين.
البعد الإنساني: معاناة المدنيين وصراع الصورة
الحرب الرقمية لا تنحصر في السياسة فقط، بل تحمل بصمات إنسانية عميقة. بعض المغردين يركزون على مأساة النساء واللاجئين في السودان، فيما يحاول آخرون إبراز صورة الإمارات كدولة مستقرة تحمي مواطنيها وتدير الأزمات بفعالية. هذا التباين بين الروايات يخلق صراعًا مزدوجًا: صراع على السلطة، وصراع على الصورة أمام الرأي العام الدولي.
بينما يركّز المغردون السودانيون على الانتهاكات الإنسانية والحرب، يبرز المغردون الإماراتيون صورة الدولة كقوة مستقرة تحافظ على الأمن والازدهار الإقليمي.
تويتر كأداة حرب رقمية معاصرة
تتجلى هنا قوة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تصبح التغريدة الواحدة أداة تأثير قوية يمكن أن تعيد تشكيل الرأي العام العالمي. كل تغريدة، سواء كانت هجومية أو دفاعية، تشكل جزءًا من حرب استراتيجية غير مرئية، تكاد تفوق تأثير الأسلحة التقليدية على الساحة الإعلامية والدبلوماسية.
التغريدة كسلاح سياسي واستراتيجي
بين السطور، يظهر أن الحرب الرقمية بين الإمارات والسودان نموذج جديد للصراع الإقليمي، يجمع بين السياسة، الأيديولوجيا، والدبلوماسية الرقمية، ويكشف عن صراعات أعمق من مجرد تبادل الاتهامات. إكس تويتر سابقا لم يعد منصة للتواصل فقط، بل أصبح مسرحًا استراتيجيًا يعكس صراعات النفوذ، ويؤثر في تشكيل الرأي العام العالمي، حيث كل كلمة، كل تغريدة، وكل هاشتاغ يمثل خطوة في لعبة سياسية أكبر.
لندن – اليوم ميديا




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *