
بعد مرور عام كامل على سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، لا تزال آلاف العائلات السورية عالقة في دائرة الانتظار، تبحث عن خيط واحد قد يقودها لمعرفة حقيقة مصير أبنائها المعتقلين والمفقودين في سجون النظام السابق.
وبينما شهدت البلاد تحولًا سياسياً جذريًا بعد الإطاحة بالحكم الاستبدادي، بقي السؤال الأكبر بلا إجابة: أين المفقودون؟
إحدى هذه القصص المؤلمة هي قصة أمينة البقاعي، التي لا تزال تحمل صور زوجها محمود وشقيقها أحمد اللذين اختفيا منذ 2012، بعد اعتقالهما على يد قوات الأمن. ورغم سقوط النظام، تؤكد أمينة أن رحلتها في البحث لم تتغير، وأن العام الماضي لم يشهد أي تقدم حقيقي، بحسب رويترز.
150 ألف مفقود… والبحث ما يزال في بدايته
تشير التقديرات الحقوقية إلى أن عدد المختفين في سجون الأسد يصل إلى نحو 150 ألف شخص، غالبيتهم اختفوا قسريًا خلال سنوات الحرب. ورغم تأسيس الهيئة الوطنية للمفقودين في مايو 2025 لجمع الأدلة والبيانات وفتح هذا الملف، فإن العائلات تؤكد أن العام الأول قد مر دون نتائج ملموسة.
تقول البقاعي: “سنة كاملة وما شفنا شي. بدنا الحقيقة فقط… بدنا نعرف وين راحوا أولادنا.”
كان سقوط الأسد قد أعطى أملاً للعائلات بأن فتح السجون قد يكشف مصير أبنائهم، لكن المفاجأة أن الكثير من السجون المحررة لم تضم أسماء من قضوا سنوات طويلة داخلها، مما عزز مخاوف العائلات من أن أبناءها ربما أصبحوا بين ضحايا المقابر الجماعية.
وثائق صادمة بعد سقوط الأسد
بعد دخول وسائل الإعلام إلى بعض السجون ومقرات الأمن عقب سقوط النظام، ظهرت وثائق كثيرة تُظهر قوائم بأسماء معتقلين تُوفوا تحت التعذيب أو الإعدام.
إحدى هذه الوثائق التي حصلت عليها منظمات حقوقية كشفت وفاة معتقل يدعى علي محسن البريدي في 2019 مع تعليمات بعدم تسليم جثمانه، ما يشير إلى أسلوب منهجي اتبعه النظام سنوات طويلة.
هذه الوثائق، رغم محدوديتها، أعادت إحياء آلام العائلات بدلاً من منحهم إجابات.
الهيئة الوطنية: عمل معقد يحتاج سنوات
تؤكد زينة شهلا، المتحدثة باسم الهيئة الوطنية للمفقودين، أن العمل “معقد ويتطلب منهجية علمية”، مشيرة إلى أن الهيئة تعمل على إنشاء أول قاعدة بيانات وطنية للمفقودين سيتم إطلاقها في 2026.
كما تتوقع الهيئة أن تبدأ عمليات استخراج الرفات من المقابر الجماعية اعتبارًا من 2027، بسبب نقص المعدات والخبرات داخل سوريا. وقد وقّعت الهيئة اتفاقية تعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر واللجنة الدولية لشؤون المفقودين للحصول على دعم تقني.
لكن هذه الوعود لم تُقنع الكثير من العائلات التي تشعر بأن الوقت قد ضاع، وأن الألم ما يزال مستمرًا.
انتقادات حقوقية: “الهيئة تحتكر الملف ولا تقدم نتائج”
منظمات حقوقية سورية ودولية انتقدت أداء الهيئة، متهمة إياها بالتحرك ببطء وباحتكار الوثائق ومنع النشطاء من العمل في الملف.
الناشط السوري أحمد حلمي قال: “لا يمكن لجهة واحدة أن تدير ملفًا فيه ربع مليون مفقود. هذا مستحيل… نحتاج تقسيم العمل وتعاونًا حقيقيًا.”
كما أثار اعتقال الناشط عامر مطر لفترة وجيزة، بتهمة الوصول إلى وثائق رسمية، موجة غضب بين عائلات المعتقلين.
خيام الحقيقة… أمل رغم الألم
في ساحات دمشق وحلب ومدن أخرى، بدأت منذ عام اعتصامات غير مسبوقة تُعرف باسم “خيام الحقيقة”، حيث تجتمع عائلات المفقودين للمطالبة بالإفراج عن أسماء ذويهم وإعلان مصيرهم.
هذه الأماكن أصبحت ملاذًا للأمهات اللواتي لم يعد بإمكانهن الانتظار بصمت.
تقول عليا دراجي، التي فقدت ابنها يزن منذ 2014: “بدنا نعرف وين راح… بدنا نلاقي جثثهم حتى ندفنهم بكرامة.”
عام جديد… والأمل مستمر رغم الخيبة
بعد عام من سقوط الأسد، لا تزال رحلة البحث مؤلمة وطويلة. ورغم الخطوات الرسمية المعلنة، تشعر العائلات بأن الحقيقة أبعد ما تكون.
لكنهم يؤكدون أن صمت السنوات قد انتهى، وأن ملف المفقودين لن يُغلق حتى تظهر الحقيقة كاملة ويُعاد الاعتبار لمن اختفوا ظلماً.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *