
تعيش غزة واحدة من أكثر فصولها الإنسانية قسوة، حيث تتداخل آثار الحرب مع قسوة الطبيعة، لتضاعف معاناة السكان الذين فقدوا منازلهم وأمانهم. فبينما تواصل فرق الإنقاذ انتشال الجثث من تحت الأنقاض، تؤدي العواصف والأمطار الغزيرة إلى انهيار مبانٍ متضررة، مهددة أرواح من احتموا بها هرباً من القصف.
مبانٍ مهددة بالانهيار وسط أمطار غزيرة
حذرت السلطات في قطاع غزة من احتمال انهيار مزيد من المباني التي تضررت خلال الحرب، نتيجة الأمطار الغزيرة التي تشهدها المنطقة. وأكدت أن الأحوال الجوية القاسية تعرقل عمليات الإنقاذ، وتجعل من الصعب الوصول إلى الجثث التي لا تزال مدفونة تحت الأنقاض.
وذكرت السلطات الصحية أن انهيار مبنيين سكنيين يوم الجمعة أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً، في وقت جرفت فيه العاصفة الخيام وأغرقتها، تاركة مئات العائلات بلا مأوى، وأدت إلى وفيات بسبب التعرض الشديد للبرد.
آلاف الجثث لا تزال تحت الركام
تواصل فرق الدفاع المدني والجهات المختصة عمليات الحفر وانتشال الجثث، وسط نقص حاد في المعدات الثقيلة والإمكانات الفنية. وبحسب السلطات في غزة، يُقدَّر أن نحو **9000 جثة** لا تزال مدفونة تحت أنقاض المباني التي دمرها القصف خلال الحرب.
وأفاد مسؤولون بأن فرق الإنقاذ انتشلت مؤخراً رفات نحو 20 شخصاً من مبنى متعدد الطوابق تعرض للقصف في ديسمبر 2023، حيث كان يُعتقد أن قرابة 60 شخصاً، بينهم 30 طفلاً، احتموا داخله قبل انهياره.
العاصفة تغرق الخيام وتفاقم مأساة النازحين
لم تقتصر المعاناة على المباني المدمرة، بل امتدت إلى الخيام المؤقتة التي تؤوي مئات الآلاف من النازحين. فقد أدت العواصف والأمطار إلى إغراق الخيام، التي لا توفر حماية كافية من البرد أو الرياح، ما فاقم أوضاع العائلات التي تعيش بالفعل في ظروف قاسية.
ودعا المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل المجتمع الدولي إلى توفير منازل متنقلة وكرفانات بدلاً من الخيام، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا، خاصة من الأطفال والنساء.
قصة إنسانية تختصر المأساة
تجسد قصة محمد نصار جانباً مؤلماً من واقع غزة. فقد كان يعيش مع عائلته في مبنى مكون من ستة طوابق تضرر بشدة خلال الغارات، قبل أن ينهار بشكل كامل. وعند عودته من شراء بعض الاحتياجات، وجد منزله ركاماً، وعمال الإنقاذ يحاولون انتشال الجثث.
وقال نصار في شهادة مؤثرة إنه رأى يد ابنه تخرج من تحت الأنقاض، في مشهد وصفه بأنه الأكثر إيلاماً في حياته. وقد توفي ابنه البالغ من العمر 15 عاماً وابنته (18 عاماً)، في مأساة تعكس حجم الكارثة الإنسانية.
الأمم المتحدة تحذر وتطالب بإدخال المساعدات
حذرت الأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني في غزة، داعية إلى السماح الفوري بإدخال مزيد من المساعدات دون تأخير. وقال فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة الأونروا، إن الأمطار الغزيرة وموجة البرد تسببت في وفاة أشخاص بسبب التجمد، في ظل غياب المأوى الآمن.
وأكد لازاريني أن الأنقاض المغمورة بالمياه التي يلجأ إليها السكان آخذة في الانهيار، ما يزيد من تعرضهم للبرد والمخاطر. وأضاف أن لدى الوكالة إمدادات جاهزة منذ أشهر، قادرة على تلبية احتياجات مئات الآلاف من السكان.
حاجة ملحة لعشرات الآلاف من الخيام والملاجئ
بحسب تقديرات مسؤولين أمميين وفلسطينيين، هناك حاجة عاجلة إلى ما لا يقل عن **300 ألف خيمة جديدة** لنحو 1.5 مليون شخص لا يزالون نازحين. وأشاروا إلى أن معظم الخيام الحالية مهترئة أو مصنوعة من مواد بلاستيكية رقيقة لا تصمد أمام العواصف.
في المقابل، تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن إدخال المساعدات، حيث تقول السلطات في غزة إن المساعدات لا تدخل بالكميات الموعودة، بينما تؤكد إسرائيل أنها تفي بالتزاماتها، متهمة المنظمات الإنسانية بسوء الإدارة، وهي اتهامات تنفيها تلك المنظمات.
تداعيات إنسانية تتجاوز حدود غزة
تعكس تطورات الأوضاع في غزة حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان، في ظل تداخل آثار الحرب مع الظروف المناخية القاسية. ويحذر مراقبون من أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل دولي فاعل قد يؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية، ويعمّق الأزمة الإنسانية في القطاع.
الخلاصة
تؤكد مشاهد الأنقاض والعواصف في غزة أن المعاناة الإنسانية لا تزال مستمرة، وأن الحاجة إلى تحرك دولي عاجل باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فبين جثث تحت الركام، وخيام تغرق بالمياه، يقف مئات الآلاف من المدنيين في مواجهة مصير قاسٍ، ينتظرون بصيص أمل يخفف عنهم وطأة هذه الكارثة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *