
في مشهد يعكس تصاعد القبضة الرقمية للنظام الإيراني، يمرّ مواطنون في ساحة ولي عصر وسط طهران أمام لوحة إعلانية كتب عليها: «اعرفني، أنا إيران».
لكن خلف هذه العبارة الدعائية، تتكشف خطة أعمق وأكثر خطورة، قد تعيد رسم علاقة إيران بالعالم الرقمي بالكامل.
خطة سرية لعزل إيران عن الإنترنت العالمي
يقول نشطاء حقوق رقميون إن إيران تخطط للانفصال النهائي عن الإنترنت العالمي، مع السماح بالوصول إليه فقط لفئة محدودة من الأفراد الذين يخضعون لفحص أمني مباشر من قبل النظام، وفقا لصحيفة الغارديان.
وبحسب تقرير صادر عن منظمة Filterwatch المتخصصة في مراقبة الرقابة الرقمية في إيران، فإن هناك خطة قيد التنفيذ لتحويل الإنترنت الدولي إلى “امتياز حكومي”، لا حقًا عامًا.
تحذيرات رسمية: الإنترنت المفتوح لن يعود بعد 2026
وسائل إعلام رسمية ومتحدثون حكوميون إيرانيون ألمحوا بالفعل إلى أن القيود الحالية ليست مؤقتة، محذرين من أن الوصول غير المقيد إلى الإنترنت قد لا يعود بعد عام 2026.

مخطط يوضح تراجع الاتصال بالإنترنت في إيران بشكل حاد منذ مساء 8 يناير، حيث انخفضت الشبكة إلى مستويات شبه معدومة لأكثر من 180 ساعة، وفق بيانات NetBlocks حتى 16 يناير.
ويؤكد التقرير أن النظام يهدف إلى ترسيخ هذا الواقع بشكل دائم، وليس كإجراء طارئ مرتبط بالاحتجاجات.
إنترنت بنظام “القائمة البيضاء”
قال أمير رشيدي، رئيس منظمة Filterwatch، إن الخطة تقوم على منح فئة صغيرة فقط — ممن حصلوا على تصاريح أمنية — إمكانية الوصول إلى نسخة مُفلترة من الإنترنت العالمي.
اقرأ أيضا: محللون غربيون يحذرون: الهجوم الأميركي على إيران سيشعل المنطقة ويكرر كوارث العراق
أما غالبية الإيرانيين، فسيُسمح لهم باستخدام الإنترنت الوطني الإيراني فقط، وهو شبكة محلية مغلقة، معزولة عن العالم الخارجي، وتخضع لرقابة صارمة.
بداية الانقطاع: احتجاجات وقمع دموي
بدأ انقطاع الإنترنت الأخير في 8 يناير، بعد 12 يومًا من تصاعد الاحتجاجات المناهضة للنظام.
ووفق تقارير حقوقية، قُتل آلاف الأشخاص خلال حملة قمع وُصفت بالوحشية، رغم أن المظاهرات بدت وكأنها خفّت حدتها تحت الضغط الأمني.
أطول انقطاع إنترنت في التاريخ الحديث
لا تتسرب من إيران سوى معلومات محدودة، بسبب انقطاع يُعدّ من أطول وأشد حالات حجب الإنترنت في التاريخ، متجاوزًا حتى انقطاع الإنترنت في مصر عام 2011 خلال احتجاجات ميدان التحرير.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن الإنترنت الدولي سيظل مقطوعًا حتى عيد النوروز، رأس السنة الفارسية، في 20 مارس/آذار على الأقل.
مسؤول أمريكي: «سيناريو مرعب… لكنه مكلف»
قال مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، عمل سابقًا على ملفات الرقابة الرقمية، إن فكرة قطع إيران علاقتها بالإنترنت العالمي «مرعبة لكنها معقولة».
وأضاف: «التأثير الاقتصادي والثقافي سيكون هائلًا، وقد يبالغ النظام في تقدير قدرته على تحمّل العواقب».
16 عامًا من التحضير للسيطرة الرقمية
يمثل الإغلاق الحالي تتويجًا لجهود استمرت 16 عامًا للسيطرة على الفضاء الإلكتروني الإيراني.
ومن أبرز أدوات هذه السيطرة نظام متقدم لفلترة حركة الإنترنت، يعتمد على مبدأ “القائمة البيضاء”، حيث يُسمح لقلة مختارة بالاتصال بالعالم، بينما يُحجب الجميع الآخرون.
تقنية رقابة يُشتبه بأنها صينية
يرجّح باحثون في مشروع عينيتا ومؤسسة آوتلاين أن إيران استخدمت تقنيات رقابة متقدمة مصدرها الصين، تشمل أجهزة وسيطة عالية السعة، قادرة على:
- مراقبة حركة المرور الرقمية
- حجب المواقع والبروتوكولات
- تعطيل بعض خدمات VPN
- التجسس على المستخدمين الأفراد
ويقول الباحثون: «هناك معدات رقابة على كل شبكة، ويمكن للحكومة قطع الاتصال في كلا الاتجاهين».

الإنترنت الوطني: عالم مغلق داخل إيران
في المقابل، يوفر الإنترنت الوطني الإيراني إمكانية الوصول إلى عدد محدود من المواقع والتطبيقات المحلية فقط، مثل:
- خدمات مراسلة محلية
- محركات بحث إيرانية
- تطبيقات ملاحة
- منصات بث فيديو شبيهة بـ Netflix
لكن هذا الإنترنت:
- خاضع للمراقبة الكاملة
- شبه منفصل عن الإنترنت العالمي
- غير متاح للمستخدمين خارج إيران
مشروع بدأ منذ 2009
بدأت إيران العمل على شبكة الإنترنت الوطنية عام 2009، عقب احتجاجات إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، حين أدركت السلطات أن الإغلاق الكامل مكلف وخطير.
في عام 2012، أنشأت الحكومة المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، وبدأت تدريجيًا تجزئة الإنترنت، فحجبت منصات مثل فيسبوك وتويتر وجوجل، لكنها أبقت على خدمات ذات قيمة اقتصادية.
ترغيب وترهيب للشركات
على مدى العقد التالي، أجبرت السلطات البنوك وشركات التكنولوجيا ومزودي الإنترنت على نقل بنيتهم التحتية إلى داخل البلاد، عبر:
- إعفاءات ضريبية
- منع الشركات الرافضة من العمل
اكتشاف مذهل عام 2015
في عام 2015، استخدم باحثون عملة بيتكوين لشراء خادم داخل إيران، واكتشفوا أن البلاد كانت تبني شبكة إنترنت داخلية مكتملة، تعمل كبنية مؤسسية مغلقة لا يمكن توجيهها إلى الخارج.
قال أحد الباحثين: «الأمر يشبه شبكة داخلية في مكتب… لا يمكن الوصول إليها من الخارج مهما حاولت».

هل تنجح إيران في خلق واقع رقمي دائم؟
نجحت إيران في إبقاء الإنترنت الوطني يعمل خلال الاحتجاجات، وأصبح الآن الخيار الوحيد لمعظم الإيرانيين.
لكن السؤال يبقى مفتوحًا:
هل يستطيع النظام تحمّل تبعات عزل رقمي دائم؟
يختتم مسؤول أمريكي سابق بالقول: «مجتمع الحقوق الرقمية محق في دق ناقوس الخطر. لكن الضرر الاقتصادي والاجتماعي سيقع في النهاية على عاتق السلطات نفسها».




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *