
في الوقت الذي تتزايد فيه المعاناة الإنسانية في السودان، يطل الحديث عن وقف إطلاق النار الإنساني كحل مؤقت للكارثة التي يعيشها المدنيون. لكن التحليل السياسي يكشف أن هذه المبادرة ليست مجرد خطوة إنسانية فحسب، بل يمكن أن تصبح فخاً يهدد وحدة الدولة واستقرار مؤسساتها.
منب أركو مناوي، الأمين العام لحركة تحرير السودان، وكبير مساعدي رئيس جمهورية السودان، ونائب رئيس تحالف الجبهة الثورية السودانية، يوضح في مقاله المنشور على الجزيرة.نت، أن توقيت الهدنة بعد وقوع الجرائم الكبرى في الفاشر بدارفور، بدل أن يكون قبلها، يثير أسئلة جدية حول دوافع القوى المسلحة، وخاصة قوات الدعم السريع، في الدفع بهذه الهدنة الآن.
اقرأ أيضا: من غزة إلى اليمن مرورًا بسوريا ولبنان والسودان: من يدير الصراعات العربية؟
الموقف الراهن يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للهدنة أن تكون جسراً للسلام، أم أنها ستتحول إلى أداة لإضفاء الشرعية على قوة الأمر الواقع وإعادة تشكيل الخريطة السياسية والجغرافية للسودان؟ الجواب، بحسب مناوي، يتطلب قراءة دقيقة للتاريخ، للواقع السياسي، ولأبعاد النزاع الإنساني، بعيداً عن الشعارات الرنانة التي غالباً ما تخفي أجندات سياسية خفية.
الهدنة الإنسانية بين الأمل والتحذير
الهدنات الإنسانية عادة ما تُقدّم كوسيلة لحماية المدنيين وتخفيف المعاناة، ولكن في السودان يبدو أن توقيت هذه المبادرة يعكس أكثر الأبعاد السياسية من الإنسانية. الجرائم الوحشية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر حولت المدينة إلى رمز للدمار والنزوح الجماعي، ما يجعل أي قراءة لهذه الهدنة تبدأ من قاعدة أن الواقع الإنساني لم يُستفد منه لتفادي الكارثة، بل جاء بعد وقوعها.
وفقاً لمناوي، هذا التأخر يجعل الهدف الرئيسي للهدنة غير واضح، ويطرح احتمالاً كبيراً بأن يكون الغرض الحقيقي هو إضفاء الشرعية على ميليشيات مسلحة، وتحويل الواقع العسكري إلى واقع سياسي معترف به دولياً، وهو ما يشكل تهديداً مباشرًا للوحدة الوطنية والسيادة السودانية.
الدروس التاريخية والتحذيرات السابقة
تاريخياً، توضح التجارب في ليبيا، الصومال، اليمن، وجنوب السودان أن الهدنات الإنسانية غالباً ما تتحول من أدوات خفض التصعيد إلى آليات لتقسيم الدولة وتقويض سيادتها. في السودان، الوضع أكثر تعقيداً، إذ يواجه صراعاً بين “حكومتين” داخل دولة واحدة: الحكومة الشرعية الرسمية من جهة، وقوات الدعم السريع التي تسعى لإنشاء كيان مواز من جهة أخرى. هذه الديناميكية تجعل أي هدنة مقبلة أكثر خطورة على الدولة من أي هدنة سابقة في المنطقة.
المخاطر السياسية: الاعتراف المزدوج والشرعية
يشدد مناوي على أن التوقيع على أي هدنة مشتركة مع قوات الدعم السريع يمثل فخاً سياسياً. الاعتراف بهذه القوى المسلحة، التي تورطت في جرائم واسعة ضد المدنيين، قد يمنحها شرعية تحت مظلة العمل الإنساني، ويهدد مبادئ الدولة الأساسية: وحدة الأراضي، الشرعية الدستورية، ووحدة الجيش الوطني. النتائج المحتملة قد تشمل ظهور جيوش متعددة، مؤسسات موازية، وواقع دولة بلا سيادة، وهو السيناريو الذي يحذر منه الكاتب بشدة.
غياب الشفافية ومشاركة الشعب
تزداد المخاطر مع غياب الشفافية في المفاوضات، التي تجري خلف الأبواب المغلقة دون مشاركة الشعب السوداني. هذا الغياب يقلل من قدرة المواطنين على الإشراف على جهود السلام، ويطرح تساؤلات جدية حول من يحق له التفاوض باسم شعب يعاني من النزوح والقتل والتشريد. يرى مناوي أن أي اتفاقية تهدف للسلام يجب أن تشرك الشعب مباشرة لضمان عدم استغلالها سياسياً.
الواجب الإنساني مقابل اليقظة الوطنية
رغم أن حماية المدنيين وتحسين الظروف الإنسانية ضرورة ملحة، يحذر مناوي من أن قبول هدنة موجهة سياسياً دون يقظة قد يكلف السودان ثمناً استراتيجياً باهظاً. الحل، بحسبه، يكمن في موازنة الجهود الإنسانية مع اليقظة الوطنية، وضمان ألا تمنح أي هدنة اعترافاً لقوات مسلحة غير شرعية، أو تمهد الطريق لتقسيم الدولة بالقوة.
الأمل معلق على الشعب السوداني
يقدم مناوي رؤية نقدية تجمع بين البعد الإنساني والسياسي والاستراتيجي، مؤكداً أن السودان يمر بلحظة حرجة تتطلب وعي الشعب وقدرته على التوحد دفاعاً عن دولة واحدة، جيش واحد، وسيادة كاملة. مقالاته وتحليلاته توفر قراءة معمقة لفهم التحديات الراهنة، وتوازن بين حماية المدنيين والحفاظ على وحدة الدولة، مع التحذير من مخاطر فرض الواقع بالقوة أو عبر هدنة سياسية موجهة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *