الرئيسية/التحليلات/"فخ الهدنات": هل السودان على خطى ليبيا والصومال واليمن؟
التحليلات

"فخ الهدنات": هل السودان على خطى ليبيا والصومال واليمن؟

قوات مسلحة في السودان تتقدم في قافلة عسكرية
📸قوات مسلحة في السودان تتقدم في قافلة عسكرية
اليوم ميديا

في الوقت الذي تتزايد فيه المعاناة الإنسانية في السودان، يطل الحديث عن وقف إطلاق النار الإنساني كحل مؤقت للكارثة التي يعيشها المدنيون. لكن التحليل السياسي يكشف أن هذه المبادرة ليست مجرد خطوة إنسانية فحسب، بل يمكن أن تصبح فخاً يهدد وحدة الدولة واستقرار مؤسساتها.

منب أركو مناوي، الأمين العام لحركة تحرير السودان، وكبير مساعدي رئيس جمهورية السودان، ونائب رئيس تحالف الجبهة الثورية السودانية، يوضح في مقاله المنشور على الجزيرة.نت، أن توقيت الهدنة بعد وقوع الجرائم الكبرى في الفاشر بدارفور، بدل أن يكون قبلها، يثير أسئلة جدية حول دوافع القوى المسلحة، وخاصة قوات الدعم السريع، في الدفع بهذه الهدنة الآن.

اقرأ أيضا: من غزة إلى اليمن مرورًا بسوريا ولبنان والسودان: من يدير الصراعات العربية؟

الموقف الراهن يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للهدنة أن تكون جسراً للسلام، أم أنها ستتحول إلى أداة لإضفاء الشرعية على قوة الأمر الواقع وإعادة تشكيل الخريطة السياسية والجغرافية للسودان؟ الجواب، بحسب مناوي، يتطلب قراءة دقيقة للتاريخ، للواقع السياسي، ولأبعاد النزاع الإنساني، بعيداً عن الشعارات الرنانة التي غالباً ما تخفي أجندات سياسية خفية.

الهدنة الإنسانية بين الأمل والتحذير

الهدنات الإنسانية عادة ما تُقدّم كوسيلة لحماية المدنيين وتخفيف المعاناة، ولكن في السودان يبدو أن توقيت هذه المبادرة يعكس أكثر الأبعاد السياسية من الإنسانية. الجرائم الوحشية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر حولت المدينة إلى رمز للدمار والنزوح الجماعي، ما يجعل أي قراءة لهذه الهدنة تبدأ من قاعدة أن الواقع الإنساني لم يُستفد منه لتفادي الكارثة، بل جاء بعد وقوعها.

وفقاً لمناوي، هذا التأخر يجعل الهدف الرئيسي للهدنة غير واضح، ويطرح احتمالاً كبيراً بأن يكون الغرض الحقيقي هو إضفاء الشرعية على ميليشيات مسلحة، وتحويل الواقع العسكري إلى واقع سياسي معترف به دولياً، وهو ما يشكل تهديداً مباشرًا للوحدة الوطنية والسيادة السودانية.

الدروس التاريخية والتحذيرات السابقة

تاريخياً، توضح التجارب في ليبيا، الصومال، اليمن، وجنوب السودان أن الهدنات الإنسانية غالباً ما تتحول من أدوات خفض التصعيد إلى آليات لتقسيم الدولة وتقويض سيادتها. في السودان، الوضع أكثر تعقيداً، إذ يواجه صراعاً بين “حكومتين” داخل دولة واحدة: الحكومة الشرعية الرسمية من جهة، وقوات الدعم السريع التي تسعى لإنشاء كيان مواز من جهة أخرى. هذه الديناميكية تجعل أي هدنة مقبلة أكثر خطورة على الدولة من أي هدنة سابقة في المنطقة.

المخاطر السياسية: الاعتراف المزدوج والشرعية

يشدد مناوي على أن التوقيع على أي هدنة مشتركة مع قوات الدعم السريع يمثل فخاً سياسياً. الاعتراف بهذه القوى المسلحة، التي تورطت في جرائم واسعة ضد المدنيين، قد يمنحها شرعية تحت مظلة العمل الإنساني، ويهدد مبادئ الدولة الأساسية: وحدة الأراضي، الشرعية الدستورية، ووحدة الجيش الوطني. النتائج المحتملة قد تشمل ظهور جيوش متعددة، مؤسسات موازية، وواقع دولة بلا سيادة، وهو السيناريو الذي يحذر منه الكاتب بشدة.

غياب الشفافية ومشاركة الشعب

تزداد المخاطر مع غياب الشفافية في المفاوضات، التي تجري خلف الأبواب المغلقة دون مشاركة الشعب السوداني. هذا الغياب يقلل من قدرة المواطنين على الإشراف على جهود السلام، ويطرح تساؤلات جدية حول من يحق له التفاوض باسم شعب يعاني من النزوح والقتل والتشريد. يرى مناوي أن أي اتفاقية تهدف للسلام يجب أن تشرك الشعب مباشرة لضمان عدم استغلالها سياسياً.

الواجب الإنساني مقابل اليقظة الوطنية

رغم أن حماية المدنيين وتحسين الظروف الإنسانية ضرورة ملحة، يحذر مناوي من أن قبول هدنة موجهة سياسياً دون يقظة قد يكلف السودان ثمناً استراتيجياً باهظاً. الحل، بحسبه، يكمن في موازنة الجهود الإنسانية مع اليقظة الوطنية، وضمان ألا تمنح أي هدنة اعترافاً لقوات مسلحة غير شرعية، أو تمهد الطريق لتقسيم الدولة بالقوة.

الأمل معلق على الشعب السوداني

يقدم مناوي رؤية نقدية تجمع بين البعد الإنساني والسياسي والاستراتيجي، مؤكداً أن السودان يمر بلحظة حرجة تتطلب وعي الشعب وقدرته على التوحد دفاعاً عن دولة واحدة، جيش واحد، وسيادة كاملة. مقالاته وتحليلاته توفر قراءة معمقة لفهم التحديات الراهنة، وتوازن بين حماية المدنيين والحفاظ على وحدة الدولة، مع التحذير من مخاطر فرض الواقع بالقوة أو عبر هدنة سياسية موجهة.

"
في الوقت الذي تتزايد فيه المعاناة الإنسانية في السودان، يطل الحديث عن وقف إطلاق النار الإنساني كحل مؤقت للكارثة التي يعيشها المدنيون. لكن التحليل السياسي يكشف أن هذه المبادرة ليست مجرد خطوة إنسانية فحسب، بل يمكن أن تصبح فخاً يهدد وحدة الدولة واستقرار مؤسساتها. منب أركو مناوي، الأمين العام لحركة تحرير السودان، وكبير مساعدي رئيس
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة