
شهدت ولاية جونقلي في جنوب السودان خلال الأسابيع الأخيرة تجددًا للعنف المسلح بين القوات الحكومية الموالية للرئيس سلفا كير، وقوات المعارضة المرتبطة بنائبه السابق رياك مشار، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى ونزوح أكثر من 180 ألف شخص وفق تقديرات الأمم المتحدة. ويثير هذا التصعيد المخاوف من انزلاق الوضع إلى صراع عرقي واسع النطاق، وسط تحذيرات خبراء مستقلين من وقوع “عنف جماعي ضد المدنيين”.
تأتي هذه التطورات بعد أشهر من التوتر بين الطرفين، حيث وضع الرئيس مشار قيد الإقامة الجبرية في مارس الماضي، ويخضع لمحاكمة بتهم ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”. وبحسب مراقبين، فقد أدى هذا التحرك إلى انهيار فعلي لاتفاقية السلام الموقعة عام 2018، والتي نصت على تقاسم السلطة ودمج القوات العسكرية، لكنها لم تُطبَّق عمليًا على الأرض.
وقد شهدت مناطق عدة في جونقلي استخدامًا مكثفًا للأسلحة الثقيلة، بما في ذلك هجمات جوية وبراميل متفجرة، ما أجبر المدنيين على الفرار إلى المستنقعات والمناطق النائية هربًا من القتال. وقال أحد النازحين، دانيال دينغ، عبر الهاتف لوكالة فرانس برس: “أنا عالق، وإذا ساءت الأمور، فإن المكان الآمن الوحيد الذي يمكنني الذهاب إليه هو المستنقعات”، مشيرًا إلى تدهور الوضع الإنساني وانتشار الجوع بعد نهب المرافق الصحية والمنازل.
تصعيد عسكري وتهديدات متبادلة
أصدر قائد الجيش بول ماجوك نانغ أوامر لقواته بـ”سحق التمرد” في غضون سبعة أيام، بينما كثفت قوات المعارضة تحركاتها العسكرية في مناطق استراتيجية مثل مقاطعة دوك، ما أدى إلى اشتباكات عنيفة أسفرت عن سقوط قتلى من كلا الطرفين، فيما يحاول المدنيون النجاة بالفرار من مناطق الصراع.
“اقرأ أيضًا: أبرز التطورات الإقليمية والدولية
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، فإن السلطات قدرت عدد النازحين بأكثر من 180 ألف شخص في أربع مقاطعات بولاية جونقلي، بينما لا يزال العديد من السكان مختبئين في الأدغال. ووفق تقرير المنظمة، أدى نهب الأصول الإنسانية وتعطيل الخدمات الأساسية إلى تفاقم أزمة الغذاء والصحة، ويواجه ما يقرب من 7,7 مليون شخص من أصل 12 مليون نسمة مستويات حادة من الجوع.
كما حذّر خبراء مستقلون من الأمم المتحدة من خطورة تصاعد خطاب التحريض بين المسؤولين العسكريين، الذي قد يؤدي إلى صراع عرقي واسع النطاق، مؤكدين أن المراقبة الدولية ضرورية لتقليل الخسائر بين المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
الأثر الإنساني والاجتماعي
قال مسؤول في المجتمع المدني المحلي، بول دينغ بول، إن جزءًا كبيرًا من ولاية جونقلي صُنّف كمناطق حمراء، ما يعني غياب الوصول الإنساني ووقف الرحلات الجوية. وأضاف أن المدنيين يواصلون الفرار يوميًا نحو مدينة بور عاصمة الولاية، بينما يعاني النازحون من نقص الإمدادات الأساسية، وغياب الخدمات الصحية، وانتشار الجوع وسط الأطفال وكبار السن.
وأكد مدير العمليات في منظمة أطباء بلا حدود غول بادشاه أن نقص الإمدادات الطبية على الأرض قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، مضيفًا: “ليس لدينا الإمدادات… سيموت أطفال، الأمر بهذه البساطة”.
خلفية النزاع
جنوب السودان، الذي حصل على استقلاله عن السودان عام 2011، غرق منذ ذلك الحين في نزاعات متكررة أدت إلى مقتل مئات الآلاف ونزوح ملايين. فالحرب الأهلية الأولى بين 2013 و2018 خلفت نحو 400 ألف قتيل وأربعة ملايين نازح، قبل أن يتم توقيع اتفاق سلام في 2018 يضمن تقاسم السلطة ودمج القوات، إلا أن بنود الاتفاق لم تُنفذ بالكامل، وظلت الممارسات العسكرية على الأرض مستمرة ومتفاوتة.
ويواجه جنوب السودان تحديات إضافية بسبب تخفيضات المساعدات الإنسانية، واستمرار الفساد، ونقص الموارد الأساسية، وهو ما جعل ثلثي السكان تحت خطر الجوع أو ما هو أسوأ. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن استمرار هذه الأزمة الإنسانية مرتبط بشكل وثيق بعدم استقرار الوضع السياسي وغياب تنفيذ الاتفاقات السابقة بين الأطراف المتحاربة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *