
في كل مرة تتعثر فيها مفاوضات سد النهضة، يطفو على السطح سؤال أشد خطورة من مجرد الخلاف حول الملء والتشغيل: هل تسعى إثيوبيا إلى تحويل مياه النيل من حق تاريخي إلى سلعة تُباع وتُشترى؟
هذا التساؤل بات محور تحذيرات متزايدة من خبراء مصريين، يرون أن التعنت الإثيوبي المستمر، إلى جانب الاتفاقيات الإطارية الجديدة ومبادرات حوض النيل، ليست سوى حلقات في مخطط أوسع يستهدف إعادة تقسيم مياه النيل وإلغاء الحصص التاريخية لمصر والسودان، ثم بيع المياه لهما لاحقاً.
عنتيبي.. نقطة البداية
يقول الدكتور محمد نصر علام، وزير الري المصري الأسبق، إن اتفاقية عنتيبي كانت الخطة الأولى لتنفيذ ما وصفه بـ”المخطط الكبير“، موضحاً أن سد النهضة ومبادرة حوض النيل يمثلان أدوات متعددة تُستخدم للغرض نفسه، بحسب موقع العربية
ويضيف: “إثيوبيا ليس من مصلحتها التوصل إلى اتفاق مع مصر والسودان، لأن الهدف النهائي هو إلغاء الاتفاقيات التاريخية وإلغاء حصتي البلدين، ثم تحويل المياه إلى سلعة تُباع.”
ويرى علام أن السبيل الوحيد لإيقاف هذا المسار حالياً هو تحييد إثيوبيا عبر اتفاق متوازن حول سد النهضة، في إطار تعاوني شامل اقتصادي وسياسي، يشمل أيضاً تبادل المنافع مثل نقل الكهرباء، مؤكداً أن التفاوض الفني وحده غير كافٍ دون غطاء سياسي.
القانون الدولي: لا بيع للمياه
من جانبه، حذر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، من أن أي مخطط لبيع مياه النيل لمصر أو السودان يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
وأكد أن: “مصر شريكة أصيلة في مياه النيل وليست مشترية، وحقوقها المائية التاريخية ثابتة ولا تسقط بالتقادم أو بالقوة.”
وأوضح أن اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية لعام 1997 تقوم على مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، وليس على مبدأ البيع والشراء، وهو ما أكده أيضاً إعلان مبادئ سد النهضة الموقع في الخرطوم عام 2015.
خطورة القبول بفكرة الشراء
يشدد مهران على أن قبول مصر بشراء حصتها من المياه يعني:
- التنازل عن حق قانوني ثابت
- تحويل الحق التاريخي إلى امتياز تجاري
- فتح الباب للمساومة السياسية والابتزاز الاقتصادي
ويضيف أن تحويل النيل إلى سلعة تجارية يعني أن دولة المنبع يمكنها رفع السعر أو قطع الإمداد متى شاءت، وهو ما يحول المياه من حق إنساني أساسي إلى أداة ضغط سياسي.
اتفاقية 1959.. حقوق وليست امتيازات
ويؤكد مهران أن اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، التي حددت حصة مصر بـ55.5 مليار متر مكعب والسودان بـ18.5 مليار متر مكعب، ليست امتيازاً استعمارياً كما تدعي إثيوبيا، بل تقنين قانوني لحقوق تاريخية راسخة تحميها قواعد القانون الدولي.
بين سدٍ يتعثر الاتفاق حوله، ونهرٍ يمثل شريان حياة لأكثر من مئة مليون مصري، يتجاوز الخلاف حدود السياسة ليصل إلى سؤال وجودي: هل تبقى مياه النيل حقاً مشتركاً كما عرفه التاريخ؟ أم تتحول إلى فاتورة شهرية تُفرض على دول المصب؟ الإجابة، كما يرى الخبراء، ستحدد شكل مستقبل الأمن المائي في المنطقة لعقود قادمة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *