
في لحظة سياسية مشحونة بالتوتر والاحتمالات، خرجت رسالة من طهران تحمل نبرة مختلفة: الاستعداد لتقديم تنازلات… ولكن بشروط.
تصريح قد يبدو دبلوماسياً تقليدياً، إلا أنه يأتي في توقيت حساس يضع المنطقة بين احتمالين متناقضين: عودة الاتفاق النووي أو الانزلاق نحو تصعيد أكبر.
ففي مقابلة مع بي بي سي، قال نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي إن بلاده مستعدة للنظر في خطوات تسوية إذا كانت الولايات المتحدة جادة في مناقشة رفع العقوبات.
وبلغة دبلوماسية محسوبة، وصف روانجي الوضع بأن “الكرة في ملعب أمريكا“، في إشارة إلى أن طهران تنتظر إشارة سياسية واضحة قبل الذهاب بعيداً في أي تنازل.
تنازل مشروط… لا مجاني
أحد أبرز المؤشرات التي عرضتها إيران كان استعدادها لمناقشة تقليص مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو مستوى يثير قلق القوى الغربية.
لكن المسؤول الإيراني تجنب إعطاء تفاصيل حاسمة بشأن إمكانية شحن المواد النووية إلى الخارج، كما حدث في اتفاق عام 2015، قائلاً إن الحديث عن ذلك “سابق لأوانه”.
هذا الغموض يعكس استراتيجية تفاوضية معتادة: عرض المرونة دون تقديم أوراق القوة دفعة واحدة.
في الخلفية، أعادت روسيا طرح فكرة استقبال المواد النووية مجدداً، وهو دور سبق أن لعبته في الترتيبات التقنية للاتفاق السابق، ما يشير إلى احتمال إعادة تدوير آليات قديمة بصيغة جديدة.
جنيف تعود إلى الواجهة
المسار الدبلوماسي لم يتوقف. فقد أُعلن عن جولة محادثات مرتقبة في جنيف، بوساطة تستضيفها سلطنة عُمان، الدولة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى قناة اتصال هادئة بين الخصوم.
وأكدت سويسرا استضافة الجولة الجديدة، ما يعكس عودة المسار التفاوضي الأوروبي إلى لعب دور المنصة المحايدة.
الجولة تأتي بعد لقاء أولي عُقد في مسقط مطلع فبراير، وصفه الإيرانيون بأنه “إيجابي إلى حد كبير”، دون إصدار أحكام نهائية.
ظلّ السياسة الأمريكية الثقيلة
لكن المسار الدبلوماسي يتحرك تحت سقف ضغوط سياسية مرتفعة.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يُخفِ موقفه المتشدد، إذ صرّح بأن تغيير النظام في إيران قد يكون “أفضل ما يمكن أن يحدث”، بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
هذا التناقض بين التفاوض والتلويح بالقوة يخلق معادلة معقدة: محادثات على الطاولة ورسائل ردع في الميدان.
معارضة الخارج تدخل المشهد
في موازاة ذلك، عاد اسم رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، إلى الواجهة، معلناً استعداده لقيادة “مرحلة انتقالية” نحو نظام ديمقراطي، خلال تجمع حاشد لمؤيديه في مدينة ميونخ الألمانية.
تصريحاته، التي دعت إلى مواصلة الاحتجاجات داخل إيران، أضافت بعداً سياسياً موازياً للمفاوضات، حيث يتقاطع الضغط الخارجي مع الحراك الداخلي، في مشهد يزيد تعقيد الحسابات لدى صناع القرار.
الاقتصاد… كلمة السر في المفاوضات
الملف الاقتصادي يبدو هذه المرة في قلب النقاش، وليس مجرد نتيجة للاتفاق.
مسؤولون إيرانيون أشاروا إلى أن أي تفاهم جديد يجب أن يضمن مكاسب اقتصادية متبادلة، تشمل مجالات الطاقة والطيران والتعدين، لتفادي انهيار الاتفاق كما حدث سابقاً.
وفي الوقت ذاته، تسعى واشنطن — بالتنسيق مع حلفائها — إلى تقليص صادرات النفط الإيرانية، خصوصاً إلى الصين التي تستحوذ على النسبة الأكبر من هذه الصادرات، ما يجعل الطاقة سلاح ضغط أساسياً في المفاوضات.
كما ناقش ترامب هذه الاستراتيجية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضمن رؤية لزيادة “الضغط الأقصى” على طهران.
بين الاتفاق أو التصعيد
ورغم الحراك الدبلوماسي، لا تزال الفجوات واسعة.
إيران تصر على حصر النقاش في الملف النووي فقط، بينما تريد واشنطن وحلفاؤها توسيع التفاوض ليشمل البرنامج الصاروخي ونفوذ طهران الإقليمي.
وفي الوقت الذي تُحضَّر فيه طاولات التفاوض، تتحدث تقارير غربية عن استعدادات عسكرية محتملة إذا فشلت المساعي السياسية.
هكذا، يبدو المشهد وكأن العالم يراقب سباقاً بين مسارين:
- مسار الدبلوماسية الذي يحاول إحياء الاتفاق
- مسار التصعيد الذي قد يطيح به قبل أن يولد.
السؤال لم يعد: هل سيعود الاتفاق؟ بل: أيهما سيسبق الآخر… التفاهم أم المواجهة؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *