
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والحقوقية في الولايات المتحدة، وجدت شركة Easy Aerial نفسها خارج أحد أهم المجمعات الصناعية في نيويورك، بعد قرار رسمي بعدم تجديد عقدها داخل مجمع Brooklyn Navy Yard، وهو موقع مملوك للبلدية ويُعد من أبرز مراكز الابتكار التكنولوجي في المدينة. القرار جاء بعد أشهر من احتجاجات وضغوط قادها ناشطون مؤيدون لفلسطين، ربطوا بين نشاط الشركة العسكري والحرب في غزة، ما دفع القضية من نطاق تجاري تقني إلى ساحة نقاش أخلاقي وسياسي مفتوح حول دور شركات التكنولوجيا الدفاعية داخل المدن الأمريكية.
القصة بدأت عندما صوّت مجلس إدارة المجمع، في يناير 2026، على عدم تجديد عقد الإيجار، وهو القرار الذي أُعلن رسمياً في فبراير. وأوضح عضو مجلس المدينة لينكولن ريستلر أن الممتلكات العامة «لا ينبغي أن تُستخدم من قبل شركات تُسهم في تحويل التكنولوجيا إلى أدوات حرب»، في إشارة مباشرة إلى طبيعة أنظمة الطائرات المسيّرة التي تطورها الشركة. ورغم أن إدارة المجمع لم تصف القرار بأنه سياسي، مؤكدة عبر تصريحات لصحيفة New York Post أنه يعود إلى «اعتبارات تشغيلية وتجارية»، فإن توقيته وسياقه الاحتجاجي منحاه أبعاداً تتجاوز الشأن الإداري.
تأسست الشركة عام 2014 لتطوير أنظمة طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل، تُعرف تقنياً باسم “Drone-in-a-Box”، وهي منصات مراقبة جوية يمكن نشرها بسرعة لأغراض عسكرية وأمنية وحدودية، إضافة إلى استخدامات تجارية. وتعلن الشركة أن حلولها طُوّرت على يد مهندسين وخبراء عملوا سابقاً في مؤسسات دفاعية، وأنها تقدم خدمات لجهات مثل الجيش الأمريكي وسلاح الجو الأمريكي، ما جعلها لاعباً صاعداً في سوق التكنولوجيا الدفاعية الذكية.
ويقف وراء تأسيس الشركة كلٌّ من المهندس الصربي-الأمريكي إيفان ستاماتوفسكي ورجل الأعمال الإسرائيلي إيدو غور، اللذين قدّما المشروع بوصفه منصة تكنولوجية متعددة الاستخدامات تجمع بين الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاستشعار والمراقبة الجوية. ومع توسّع نشاط الشركة وفتح مكتب آخر في مستوطنة غان هشومرون بالضفة الغربية، بدأ اسمها يظهر في تقارير ومنشورات حقوقية تتهمها بتزويد جهات عسكرية بتقنيات مراقبة واستخبارات ميدانية، وهو ما نفته الشركة أو تجنبت التعليق عليه بشكل مباشر.
الاحتجاجات التي استمرت لأكثر من عام لعبت دوراً محورياً في تغيير الموقف المحلي، إذ نظّم ناشطون حملات ضغط تضمنت مظاهرات ورسائل مفتوحة ومطالبات بعدم استضافة شركات يرون أنها مرتبطة بصناعات عسكرية تُستخدم في نزاعات خارجية. وبالنسبة لهم، لم تعد القضية تتعلق بعقد إيجار داخل مجمع صناعي، بل بسؤال أوسع حول مسؤولية المدن العالمية تجاه استخدام التكنولوجيا في الحروب الحديثة، خاصة مع تصاعد الانتقادات الدولية لاستخدام الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة في النزاعات المسلحة.
في المقابل، يرى مؤيدو الشركة أن القرار يعكس تسييساً متزايداً لقطاع التكنولوجيا الدفاعية، وأن معاقبة شركة تعمل بعقود قانونية مع مؤسسات حكومية قد يبعث برسائل سلبية للمستثمرين وشركات الابتكار، خصوصاً في مدينة لطالما قدّمت نفسها مركزاً عالمياً للأعمال والتكنولوجيا. ويحذّر هؤلاء من أن إدخال الاعتبارات الجيوسياسية في إدارة المناطق الصناعية قد يفتح الباب أمام قرارات مشابهة تمس شركات أخرى تعمل في مجالات الأمن السيبراني أو الصناعات الدفاعية.
وبين روايتين؛ إحداهما ترى في القرار انتصاراً أخلاقياً لضغط الشارع، والأخرى تعتبره سابقة مقلقة لتسييس الاقتصاد، تبقى القضية نموذجاً واضحاً لتشابك التكنولوجيا بالحرب، والاقتصاد بالسياسة، والابتكار بالمساءلة المجتمعية. ومع تسارع الاعتماد العالمي على الأنظمة غير المأهولة في الأمن والحروب، يبرز تساؤل أكبر من حدود بروكلين: هل ستصبح المدن ساحة جديدة لمحاسبة شركات الصناعات العسكرية، أم أن التكنولوجيا ستفرض واقعها بمعزل عن الجدل السياسي؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *