الرئيسية/الشرق الأوسط/هل تُرسّخ الوقائع الميدانية معادلة حكم جديدة في غزة قبل أن تبدأ التسوية السياسية؟
الشرق الأوسط

هل تُرسّخ الوقائع الميدانية معادلة حكم جديدة في غزة قبل أن تبدأ التسوية السياسية؟

شرطي مرور في غزة ينظم الحركة وسط عودة تدريجية للحياة المدنية بعد الحرب.
📸شرطي مرور في غزة ينظم الحركة وسط عودة تدريجية للحياة المدنية بعد الحرب.
اليوم ميديا

في خضم الحديث الدولي المتصاعد عن مستقبل قطاع غزة وخطط إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية، يتشكل على الأرض واقع مختلف يسير بإيقاع أسرع من المفاوضات. فبينما تتداول العواصم خرائط “اليوم التالي للحرب في غزة”، تنشغل المؤسسات المحلية بمحاولة إعادة تشغيل الحياة اليومية، من إدارة الخدمات العامة إلى ضبط الأسواق وحركة السكان، في مشهد يوحي بأن معركة النفوذ السياسي لم تنتظر التفاهمات الدولية، بل بدأت فعليًا داخل تفاصيل الحياة المدنية.

في هذا السياق، تتحرك حركة حماس بطريقة يراها مراقبون أقرب إلى إعادة تثبيت إدارة قائمة بالفعل، لا مجرد انتظار لتسليم السلطة ضمن أي خطة سلام أمريكية أو ترتيبات انتقالية. عودة بعض الوزارات للعمل، واستمرار الهياكل البلدية، وتنظيم الجباية المحلية لتأمين الموارد، كلها عناصر تعكس سعيًا للحفاظ على تماسك الإدارة الداخلية، وهو ما يجعل الحديث عن “فراغ الحكم” الذي يفترض أن تملأه أي سلطة جديدة حديثًا نظريًا أكثر منه واقعيًا.

تتزامن هذه التحركات مع الدفع السياسي الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتطبيق خطة سلام تتضمن إنشاء إدارة انتقالية تشرف على إعادة إعمار غزة وتدير المرحلة التالية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي خطة ترتكز على تصور نقل السلطة إلى كيان تكنوقراطي مدعوم دوليًا. غير أن الفجوة بين التصور السياسي والتنفيذ العملي ما زالت واسعة، إذ لم تبدأ هذه الإدارة مهامها فعليًا، بينما تستمر البنية الإدارية المحلية في العمل، ما يخلق واقعًا مزدوجًا بين سلطة يجري التفاوض عليها وسلطة قائمة بالفعل.

الجانب الأمني يزيد المشهد تعقيدًا، إذ تشير تقديرات إسرائيلية رُفعت إلى حكومة بنيامين نتنياهو إلى أن الحركة ما زالت تحتفظ بقدرة تنظيمية وشبكات تأثير داخل القطاع، رغم الضربات العسكرية الطويلة. وترى هذه التقديرات أن استمرار هذا النفوذ قد يطرح تحديات أمام أي ترتيبات سياسية مستقبلية، خصوصًا إذا لم تُترجم الخطط الدولية إلى وجود فعلي وسريع على الأرض.

اقتصاديًا، يبرز عامل آخر يعزز هذا الواقع، حيث يعتمد القطاع على أنماط تمويل محلية لتسيير الشؤون اليومية في ظل غياب الموارد التقليدية، وهو ما سمح باستمرار دفع الرواتب وتشغيل المرافق الأساسية ومنع الانهيار الكامل للخدمات. هذا النمط من “اقتصاد الطوارئ” لا يمثل مجرد آلية بقاء، بل أصبح جزءًا من معادلة السلطة، لأن الجهة التي تدير الموارد وتوفر الحد الأدنى من الاستقرار تكتسب تلقائيًا نفوذًا سياسيًا واجتماعيًا.

وسط هذا المشهد، يبدو أن مستقبل غزة يتشكل عبر مسارين متوازيين؛ مسار دبلوماسي يتحدث عن إعادة إعمار غزة وتسوية سياسية شاملة، ومسار ميداني يعيد ترتيب الإدارة تدريجيًا مستفيدًا من عامل الوقت. وبين المسارين يبرز سؤال جوهري يتردد في دوائر التحليل السياسي للشرق الأوسط: هل ستنجح الخطط الدولية في فرض نموذج حكم جديد، أم أن الوقائع التي تتكرس يومًا بعد يوم ستفرض نفسها كأساس لأي تسوية قادمة؟

بهذا المعنى، لم تعد القضية تتعلق فقط بوقف الحرب أو توقيع اتفاق، بل بصراع أكثر هدوءًا وعمقًا حول من يملك القدرة على إدارة الحياة اليومية لمليوني إنسان، لأن من ينجح في إدارة التفاصيل الصغيرة اليوم، قد يكون الطرف الذي يحدد شكل النظام السياسي في غزة غدًا، ويعيد رسم توازنات الصراع في المنطقة بأكملها.

"
في خضم الحديث الدولي المتصاعد عن مستقبل قطاع غزة وخطط إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية، يتشكل على الأرض واقع مختلف يسير بإيقاع أسرع من المفاوضات. فبينما تتداول العواصم خرائط “اليوم التالي للحرب في غزة”، تنشغل المؤسسات المحلية بمحاولة إعادة تشغيل الحياة اليومية، من إدارة الخدمات العامة إلى ضبط الأسواق وحركة السكان، في مشهد يوحي بأن معركة
— اليوم ميديا / الشرق الأوسط

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقاتلين حوثيين موالين لإيران وهم يهاجمون قوات مدعومة من السعودية في موقع ذكره المصدر بأنه محافظة الجوف في اليمن

الحوثيون يتقدمون نحو كهبوب.. وترامب يتراجع عن ضربات

تتحول مرتفعات كهبوب جنوب غربي اليمن إلى واحدة من أكثر نقاط الصراع حساسية، مع محاولة الحوثيين التقدم للسيطرة على المرتفعات التي تفصل الساحل الغربي عن مناطق تخضع للقوات الحكومية المدعومة من السعودية. وبحسب خمسة مصادر عسكرية يمنية تحدثت إلى رويترز، يسعى الحوثيون إلى السيطرة على جبال كهبوب الواقعة بين محافظتي تعز ولحج، في محاولة لتأمين

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الدخان يتصاعد من مستودع أسلحة عقب انفجار وقع في الريف الجنوبي لحلب بسوريا

رابع انفجار في شهر.. ماذا يحدث بسوريا؟

هزّت سلسلة منالانفجارات مستودع أسلحة تابعًا للجيش في ريف حلب الجنوبي، فجر الاثنين، ما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص ودفع سكان القرى القريبة إلى الفرار، في رابع حادث من هذا النوع تشهده سوريا خلال سبتمبر الجاري، وفقًا لرويترز. وقع الانفجار بالقرب من بلدة العيس في محافظة حلب، وسُمعت أصوات الانفجارات في البلدات المجاورة، فيما تصاعدت

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
أفراد من قوات الباسيج الإيرانية يحملن لافتة مناهضة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء المشاركة في عرض عسكري في طهران

إيران تلوّح بأسلحة وأهداف جديدة

لوّحت إيران بتغيير طبيعة ردها العسكري إذا شنت الولايات المتحدة هجومًا جديدًا عليها، في رسالة تتجاوز الحديث عن الرد على أهداف سبق استهدافها، إلى التلويح باستخدام أسلحة جديدة وتوسيع نطاق جغرافيا المواجهة. ونقلت وكالة «فارس» الإيرانية عن المتحدث باسم الحرس الثوري، حسين محبي، قوله إن طهران ستستخدم أسلحة جديدة وستستهدف مواقع لم تتعرض لهجمات سابقة

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الدخان يتصاعد من منطقة تخزين الوقود في مطار الملك خالد الدولي بالرياض

إيران تهدد.. والحوثيون يصلون إلى الرياض.. إلى أين تتجه الحرب؟

تتسع خريطة التصعيد في الشرق الأوسط مع دخول السعودية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، بالتزامن مع تبادل الولايات المتحدة وإيران تهديدات جديدة، فيما حذرت واشنطن من احتمال تصعيد غير متوقع في المنطقة. وقالت القيادة المركزية العسكرية الإيرانية، الأحد، إن أي هجوم أميركي جديد على إيران سيقابل برد قوي ومتواصل يستهدف القواعد والمصالح الأميركية، مضيفة أن

لندن - عمر فهد العلي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة